إعادة تكوين السلطة واسقاط اتفاق الدوحة

من يعتقد أنّ تأخيرَ الدعوة إلى الإستشارات النيابيّة المُلزِمَة محصورٌ فقط بتأمين اتفاقٍ مبدئيٍّ على “باكيج” الحكم المقبلة، من رئيسٍ ووزراءٍ، هو مخطئٌ، إذ أنّ التصوّرَ الذي يستوطِن مجالس المعنيين ونفوسهم يحوم بدرجةٍ عاليةٍ حول مسألة إعادة تكوين السلطة.

غالب الظن، أنّ الجموعَ الداخلية والخارجية التي ارتضَت بالتسوية الرئاسيّة آلية للحكم في لبنان إنقلَبَت عليها أو أقلّه باتت تجدها عاملًا نافرًا في السياسة اللبنانيّة. فالحكومة التي تشكَّلت على إثرها ودامت زهاء التسعةِ أشهرٍ بين تكليفٍ وتأليفٍ ثم تسعة أخرى بين العمل و”اللاعمل”، لم تعد تصلح لقيادة المرحلة، بل أن هناك شعورًا يعتري نفوس البعض ويجد أنّ وتيرة الرفض الدوليّة للحكومة المستقيلة أدّت الى تهاويها، فلا معنى إذًا للعودة إلى نسخةٍ مشابهةٍ.

طبعًا، كلامٌ معطوفٌ من هذا النوع على ما يجري ويدور على السّاحة السياسيّة، يدلّ إلى توفّر نوايا صريحة بإعادة تكوين السّلطة في لبنان تعَشعِش في أذهان مستوى سياسي معيَّن، يعتبر، أنّ منطقَ الدمج بين نموذجِ حزب الله ورغباته ونموذج الفريق المناوئ ورغباته لم يعد يصلح كآليةٍ للحكمِ.

لكن هذا المنطق يقابله منطق آخر، منطق الفائزين بالانتخابات، الذي يعتبر أنّ الركون إلى خيار إعادة تكوين السلطة يمثل إنقلابًا سياسيًّا على مفاهيم إدارة الحكم كما على نتائج الانتخابات النيابية التي أنتَجَت السّلطة الحالية. لا بل أنّ الفئة المخضرَمَة ضمن فريق 8 آذار يذهب بها الاعتقاد صوب وجود “رغباتٍ جامحةٍ لدى البعض” في إسقاطِ “إتفاق الدوحة” وتجاوز كلّ ما جرى الإتفاق بشأنه وترسيخه لاحقًا.

هذا المنطق، يدفع الآن بإتجاه وضعِ من يعنيهم الأمر، وعلى رأسهم الرئيس سعد الحريري، بمخاطر الإخلال بتفاهماتٍ من هذا النوع، قد لا تدفع إلى تغيير أو إعادة تكوين السلطة من جانبٍ واحدٍ، بل ستفرض على العناصر الباقية، التي يصطلح تسميتها “المُتَضرِّرَة” من المنطقِ الذي يجري الحديث به، نحو الدفعِ هي الاخرى باتجاه تغيير التفاهمات والتوازنات ربما بالمقدار الذي يلائمها.

في الواقع، إنّ اللجوءَ إلى خياراتٍ من هذا النوع قد تُعَرِّض التوازنات التي جرى تثبيتها عام 2018 إلى إهتزازٍ قد ينتج عنه خلل في الميزان السياسي ما قد يجرّ إلى إنفجارٍ سياسيٍّ ليس سهلاً في ظل خطَرَيْن يجتاحان السّاحة إقتصاديًّا وماليًّا، وهذا ليس تخويفًا، بل أنّ التجاربَ السياسيّة الداخلية في لبنان أثبَتَت أنّ التلاعبَ في التوازنات يؤدّي إلى حدوثِ خللٍ كارثيٍّ.

من هنا، يقوم البحث الدائر حاليًّا وفق مبدأ أخذ التوازنات بعين الإعتبار وتنقيحها من خلال إدخال ما فرض في السّاحة من توازناتٍ جديدةٍ، ما يعني إعادة الإعتبار إلى منطق الدمج في السّلطة لكن برؤيةٍ محليّةٍ وليس خارجيّة.

ليس سرًا، الولايات المتحدة ومعها دول خليجيّة كـالسعودية والإمارات، يدفعون باتجاه استبدال النموذجِ السياسيِّ القائم حاليًا على التعايش والتفاهم والتعاون داخل السّلطة بين حزب الله وخصومه واعتماد نموذجٍ أكثر “سلاسة” غير مبنيٍّ على العناصر السياسيّة المؤدلجة وله القدرة على إنتزاعِ نفوذِ حزب الله من داخل السّلطة التنفيذيّة، ما يعني تحويل الحزب وحلفائه إلى أذرعٍ هامشيةٍ مقارنة بـ”أيادٍ من نار” تجلس على طاولة مستديرة في بيت الوسط.

وغالبًا، أنّ هذا المفهوم يمرّ بإدخال تعديلٍ “جينيٍّ” واضحٍ على تركيبة الحكومة العتيدة بإستخدام “بلفة التكنوقراط” ما له أن يخرج الوزراء السياسيين الذين سمّتهم الأحزاب من خارجِ السّلطة التنفيذيّة، وهي التركيبة التي نصَحت بعض الدول الغربيّة باعتمادها كتصريفٍ للأزمة اللبنانيّة.

لكن حزب الله تعامل مع الإقتراحِ بصفته أداة لاستهدافه شخصيًّا واقصائه عن طبيعةِ تركيبةِ الحكم في البلاد التي تؤسِّس لاحقًا إلى استفراده.

وما زادَ اعتقاده بتوفير أجواء لهذا المنحى، وضع يده على معلوماتٍ وضعَت أميركيًّا في عبِّ الحريري، بضرورة الامتناع عن إدخال حزب الله إلى التركيبة الجديدة، ولو عبر إعتماد قاعدة تسمية حزب الله لـ”تكنوقراط” على شاكلةِ الوزير جميل جبق، ما دفع الحزب إلى رفعِ “فيتو” كبير أمام تشكيلةٍ من هذا النوع وإبلاغ المعنيين بمخاطر اللجوء إلى هذا الخيار.

في المقابل، كان الحريري واضحًا وصريحًا في عدمِ رغبتهِ بالعودة الى “شراكةِ التسوية المُنهارة” وفق الصيغة القديمة، ليتَّضح أنه يبحث عن “نواةٍ جديدة” يجري حقن التسوية بها لتسفر عن إنتاجِ وجهٍ جديدٍ لها، يتبيَّن أنه يحدّ كثيرًا من فعاليتها السياسيّة.

ما يدور البحث فيه حاليًا، يقارب الدمج بين المطالب السياسيّة كافة، فصحيح، أنّ الحريري متمسّكٌ بتسميته للرئاسة لقيادة المرحلة الانتقالية ضمن شروطٍ محدَّدةٍ، لكنه في المقابل أيضًا قد يجد فرصة لإحلال بديلٍ مرحليٍّ عنه متحرٍّر من الالتزامات الداخليّة في المدى القصير وقد يفيده على المدى البعيد في تعديل الشروط الداخلية والتحرّر منها.

هذا كلّه، واقفٌ اليوم على موقفَيْ حزب الله والتيار الوطني الحر، علمًا، أنّ الاجواء تفيد بأنّهما متمسِّكان بحكومةٍ ذات طابعٍ سياسيٍّ، وإن كان ولا بدّ، فحكومة تكنو – سياسية يكون أغلب أعضائها من الوزراءِ السياسيين مقابل “تلوينة تكنوقراطية محدودة”.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الأشغال الشاقة على ضباط ورتباء عسكريين بإختلاس أموال!

أصدرت المحكمة العسكرية أحكاما تراوحت عقوبتها ما بين الغرامة المالية والأشغال الشاقة مدة 15 سنة، …