الحريري أمام مهمّة إنتحارية

“لبن العصفور” الذي مُنِحَ من قبل الأستاذ نبيه برّي إلى الشيخ سعد الحريري، قد يكو مرّ النكهةِ أو حلو المزاقِ، طبعًا بحسب مزاجِ الرئيس المُستقيل عن الحكومة ومن تصريف أعمالها.

الجميع تقريبًا، إنشغلَ بالأمسِ، في فكِّ أحجية “اللبن” والمقصود منه، وبما أنّ التفسيرَ من شأن المعنيَيْن به، تبقى معلومات الايام الفائتة مصدرًا يُركَن إليه في محاولةِ تفسير المقصد وربما يفصح عن شيءٍ يقود إلى تحليلِ مدرجات ذاك اللبن:

– هل يتّصل بالعرضِ الذي قدَّمه برّي إلى الحريري بالتضحية في وزير المال علي حسن خليل كي “يُقابِل” وزير الخارجية جبران باسيل وسائر “الوجود البارزة” كبادرةِ تضحيةٍ منه لقاء تشكيل الحكومة؟

– هل يتّصل بالعرضِ المُقدَّم من “الثنائي الشيعي” إلى الحريري من أجل تشكيل حكومة تكنو – سياسية قائمة على منحِ الحقائب السياديّة إلى وزراءٍ سياسيين مع تطعيمِ الحكومة بوزراءٍ نصف سياسيين ونصف تكنوقراط، ثم يذهب الجزء الباقي من التشكيلة لصالح تكنوقراط صرف لا مانعَ من أن يسمّيَ “الحَراك المدني” بعضهم، إن وافق وتوافق؟

– هل يتَّصل بالمسعى الفرنسي الذي دخَلَ على خطِّ الازمة، والغاية منه “ليّ الاذرع” تمهيدًا لإنقاذِ لبنان من حفرةٍ قد تكبر أكثر؟

الأكيد، أنّ الإجابة على الأسئلة هذه تخضع لصلاحية “من هم فوق”، وهؤلاء، يبدو انهم ذاهبون نحو منحى “انتحاريٍّ” من أجل إخراج لبنان من المحنة التي يتخبّط بها.

الكلّ تقريبًا، يُجمِع على أنّ الحل أو المخرج، يكمن في إنتاجِ حكومةٍ مختلفةٍ عن مسار الحكومات السّابقة، لكن “جينات” هذه التوليفة هي موضعُ الخلافِ والجدلِ اليوم، بين سياسي كامل أو آخر جزئي بمعنى التكنوقراط، لكن ما هو أصعبٌ من ذلك، أنّ النزاع يبدو قائمًا على إقناعِ الرئيس الحريري بتولّي رئاسة تلك الحكومة.

لا جدل في أنّ للحريري مصلحة في السلطة. نتحدَّث هنا عن مصلحةٍ خاصّة على الصعيدَيْن السياسي والاجتماعي، وأخرى اقتصادية، لكن المشكلة التي تُعقِّد الامور، تكمن في ضلوعِ الحريري بـ”كمينٍ” فرض شروط عليه يصعِّب مهمته ويجعله يتموضَع في منتصفِ الطريق، بين القبول المحبَّب إلى قلبه، والرفض.

المعنيّون في أمورِ السياسةِ، على مستوى الثنائي “حزب الله – أمل” ومعهما التيار الوطني الحر، وفي جزءٍ معيّن الحزب التقدمي الاشتراكي، يعتقدون، أنّ حظَّ الحريري العثر أوقعه في متاهةِ شروطٍ أميركيّةٍ ثقيلةٍ، هو يعجزُ عن مجاراتها، وفي مكانٍ ما تصبح سببًا في زيادة الضغوطات عليه، وطبعًا هذه الضغوطات كلها، مضافة إلى تلك المحلية، تُصَعِّب عليه مهمته، ما يجبره على التموضع وسطيًا بين الخيارين أعلاه.

وعلى ذمّةِ المتطلعين، أقدَمَ الفرقاء اعلاه على الخوضِ في أكثرِ من محاولةٍ لتحرير الحريري من الشباكِ السياسيّة العالقة بها، لكنها جميعها باءَت بالفشل، والمشكلة، أنّ الحريري نفسه متورِّطٌ في افشالِ بعضها، نظرًا الى وجودِ “خللٍ بنيوي” في تركيبته السياسيّة يجعله غير قادرٍ على المواجهة، أو أنّه يفضِّل الابتعاد عنها، وقد يكون يستخدمها في تعزيز شروطه.

وعلى هذا النحو، لا بدّ إذًا من معالجةٍ قاسيةٍ، والخيارُ في مثلِ هذا الموقف يجنح عادة صوب انتهاجِ خيارِ “الكي”، أيّ اللجوء الى اقسى الخيارات الممكنة لتحقيق الهدف السياسي.

صحيحٌ، أنّ الثنائي الشيعي ومعه التيار الوطني الحر لا يريدون سوى الحريري في موقعِ الرئاسةِ الثالثة، لأمورٍ لا تتَّصل فقط بمصالحٍ سياسيّة خاصّة بل بمصلحةِ البلدِ عامّة، ويرفضان حتى منطق تسميته لرئيسٍ محسوبٍ عليه، لكنهم في المقابل لا يريدون إدخال الحريري إلى السرايا مجددًا وهو “منزوعُ الاجنحةِ” أو مكسورٌ، وعليه، يحاولون اليوم تجميع كافة الظروف الايجابيّة من حوله، علَّها تفيد في ترشيدِ قواه السياسيّة.

وعلى ما يبدو، أنّ الخيارَ المُتَّخذ حاليًا يرتكز على المضي قدمًا في الدعوة إلى الاستشارات النيابية المُلزِمَة في قصر بعبدا لتسميةِ رئيسِ وزراءٍ جديد. وعلى الارجح، أنّ موعدَ الدعوة سيُحدَّد يوم الجمعة المقبل.

وفي اعتقادِ أصحابِ هذا المذهب، أنّ الاحتمالات السياسيّة باتت ضيّقة، وعليه، لا يجب الامعان أكثر في اعتمادِ سياسة “التمديد” لأنّ الازمة بحاجة الى معالجةٍ فوريّةٍ، وأنّ موقفَ الحريري لا بدّ وأن يعمل على تأمين استقراره.

وبهذا المعنى، فإنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيدعو إلى استشاراتٍ ملزمة، وغالب الظن، أنّ الاكثريّة النيابيّة تجتمع على تسميةِ الرئيس الحريري للرئاسة الثالثة، حتى ولو كان يرفض الترشح أو يحجم عن ترشيح نفسه، وعلى الارجح، أنّ الاكثرية، بحكم هذا المخرج، ستذهب الى الحريري ما سيجعله رئيسًا مكلفًا.

ويبدو، أنّ امور الحل التي يُبحَث في إخراجها الى العلن هذا الاسبوع تأتي متزامنة، بحيث أنّ الدعوة الى الاستشارات تأتي في ظلّ جولة المبعوث الرئاسي الفرنسي في بيروت، الموكل مهمة البحث عن مخارجٍ للأزمة الحكومية.

وبحسب المعلومات، ثمّة تقاطعات سياسيّة بين فرنسا وأركان محور الحكم الحالي، أيّ التيار الوطني الحر وحركة أمل وضمنهم حزب الله، تقود إلى توكيل الحريري مسألة التسمية.

في الظاهر، ستتولّى باريس إقناعه وتثبيته على موقفه وتأمين مظلّة حماية سياسيّة له تنقذه من الاملاءات السياسيّة الاميركيّة، لكن الشرط باتجاه تحقيق هذا الغرض، أن يكون الحريري على قدر التطلعات والاستعداد، والمقدرة على مواجهةِ الضغوطات الاميركيّة والقبول بالتسمية، ولو أنها أتت “بشيءٍ من الفرضِ” وفق قاعدة الرئيس بري، “سيقبل الحريري غصب عنه”.

وعلى ما يؤكِّد أكثر من مصدرٍ مُطلعٍ، أنّ التحدي اليوم في حال طبِّقَ هذا السيناريو بدءًا من الجمعة (أو أيّ وقتٍ آخر)، أي يقبل الحريري بالتسمية وبالتكليف ويذهب صوب استشارات نيابيّة، والخشية الحقيقيّة تكمُن في اعتذارهِ عن هذا التكليف، وهو السيناريو الذي سيُدخِل لبنان في آتون رياحٍ سياسيّةٍ هوجاءٍ ستفتح الابواب على شتّى أنواع السيناريوهات.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

بالفيديو: عمليةُ طعنٍ داخل كنيسة في كاليفورنيا

أعلنت ​الشرطة الأميركية​ عن إصابة عدد من الأشخاص بجروح بعد تعرضهم ل​عملية طعن​ في ​كنيسة​ …