الحريري بلا “شاشة”: ثقوا بي!

لِمَن انتظر ردودًا من “الحليف فوق الطاولة” رئيس الجمهورية العماد ميشال عون و”الحليف تحت الطاولة” رئيس الحكومة سعد الحريري على خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في ذكرى العاشر من محرّم… سينتظر طويلاً!

الرغبة في عدم فتحِ سجالٍ مع نصرالله موجودة لدى الطرفين. وصلَ الأمرُ الى حدِّ التناغم غير المسبوق بين الرئاستين الاولى والثالثة بشأن “ترحيل” ملف الاستراتيجية الدفاعية الى أجلٍّ غير مسمَّى. مفهومة اعتبارات رئيس الجمهورية، لكن ماذا عن رئيس الحكومة؟

“الشيخ” يجهد وينشط على موجةٍ أخرى تمامًا. يكاد سكون سعد “حريري” آخر. لا أولوية لديه سوى للوضع الاقتصادي والمالي. خصومه من داخل أهل البيت يرون الامور من غير منظار:”هناك اشتباكٌ سياسيٌّ كبيرٌ يتمّ تغطيته بالاقتصاد”. لا يأبه الحريري لهذا التوصيف، وها هو بكامل الجهوزية لتلقف أموال “سيدر”، وربما قبلها، “الهدية” السعودية “المُنتظرة”. ومن أجل ذلك، واجب إقفال الجبهات مع الجميع على رأسها حزب الله.

وما بين الاولوية والواقعية، قرارٌ بالإجهاز على ما تبقى من الامبراطورية الاعلامية لـ “تيار المستقبل”. بعد “الجريدة”.. “التلفزيون”. قرارٌ صعبٌ ومؤلِمٌ لسعد الحريري يتزامن مع حدثين لافتين: القرار المنتظر عن المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي شكَّل قضية مركزية لـ “المستقبل” منذ العام 2005، وإعلان وزير المالية السعودي للمرّة الاولى منذ تجميد الرياض هبة المليارات عن محادثات تجري مع الحكومة اللبنانية بشأن تقديم دعمٍ مالي، و”أنّنا نضع أموالنا والتزامنا في لبنان”.

لم يتمكَّن الحريري من الايفاء بالوعد الذي قطعه على موظفي تلفزيون “المستقبل” حين زار المبنى “المنكوب” في 4 آذار الماضي، بـ “اقترابِ انفراجِ الازمة المالية قريبًا وأخذ حقوقكم”.

“الأوفياء لآل الحريري”، كما وصفهم يومها، بدوا كـ “اليتامى”. الرجل حاول بالتأكيد إنعاش مؤسسته الاعلامية التي تأسست عام 1993 كأحدِ أذرع الحريرية السياسية، لكنه لم ينجح. لا يشبه “دفن” جريدة “المستقبل” وتعليق العمل بتلفزيون “المستقبل” أيّ “مأساةٍ” إعلامية أخرى. نتحدَّث هنا، عن ما تبقى من إرثِ الرئيس الشهيد رفيق الحريري!

القرار بإعادة هيكلة التلفزيون وجدولة المدفوعات المترتبة على القناة لا يحجب الواقع التعيس لما آل اليه “الاعلام الحريري” مقارنة بإعلام “جماعة الممانعة” أو إعلام “العهد”، في وقت يرى كثيرون من أهل البيت المستقبلي أنّ رئيس الحكومة، وفي وقتٍ يتعاظم فيه نفوذ أفرقاء آخرين في الساحة السياسية ماليًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا، يكاد يكون الوحيد من يدفع ثمن سوء الادارة على المستوى السياسي والمالي المتعلق بمؤسساته، كما سوء الادارة على مستوى “البينزس” الخاص به!

لن يكون سهلاً، اعتراف سعد الحريري بأنّ أكبر طائفة عددًا ونفوذًا بحكم الموقع الدستوري الممنوح لها، مع كل “توابعه” في السلطة، قد خسرت أحد أهم الامتيازات التي منحت للطوائف بعَيْد نهاية الحرب الاهلية: لكل طائفة شاشة… وها هم السنّة “ينعون” شاشتهم بانتظار أخرى يصعب أن تعوّض ثقل “النكبة”!

هكذا تراكمت الخسارات الى حدّ فقدان حتى “الصوت”، ربما على كثرة “بلع” البحص بدلاً من “بقّه”. أتى ذلك بعدما فقد الحريري “الوكالة الحصرية” بتمثيل السياسة السعودية في لبنان.

صاحب مقولة “السياسة ما بتطعمي خبز، اللي بطعمي خبز هو الإقتصاد”، فَقَد الكثير من الأوراق. أهمّها ليس شحّ “الكاش” وضعف الملاءة المالية بقدر تسليمه بأن لا دونالد ترمب ولا محمد بن سلمان ولا ايمانويل ماكرون هم أصحاب القرار ببقائه رئيسًا للحكومة بقدر ايماءة رأس من ميشال عون و”حزب الله”. وعلى هذا الأساس يتدبّر أموره مع الطرفين!

الأدق، لم يعد يملك الحريري سوى ورقة واحدة: كونه ابن رفيق الحريري لا تزال “الشعبية” المستقاة أساسًا من رمزية “الوالد الشهيد” تحميانه من غضب “كاتم للصوت” لدى جمهور راهن على أنّ العودة “الآمنة” الى السرايا ستطعمه خدمات وزعامة و”فلوسًا” وليس تحسّرًا على ما كان وتشكيكًا بـ “مستقبل” طائفة لم يعد الحريري المقرّر الوحيد فيه!

وفق العارفين، المُعلن من دين الحريري استنادًا الى قرار المحكمة السعودية 21 مليار ريال، إضافة الى ما أعلنته وزارة المال السعودية والمقدّر بـ 40 مليار ريال، أي 61 مليار ريال (17 مليار دولار)، فيما تقّدر خسائر “اوجيه تلكوم” بـ 3 مليارت بعد إفلاس “سعودي أوجيه”.

السعودية “السابقة” التي تعاطت مع الحريري الاب كأسطورة، تقابلها السعودية “الجديدة” التي تركت للحريري الابن حرّية التصرّف.. مع تحمّل العواقب!. ماليًا، أتيح لرئيس حكومة لبنان متنفسًّا، يمدّه ببعض الاوكسجين، من خلال تأسيس شركة صغيرة في الرياض تبدو “مداخيلها” كـ argent de poche مقارنة بـ”بيزنس” رفيق الحريري أيام العزّ والسطوة.

مع ذلك، يُكابر الحريري على أزماته المتتالية. لم يعايش أي زعيم لبناني ما خبره سعد الحريري منذ العام 2005. وراثة زعامة مع شبكة ضخمة من العلاقات الدولية والاقليمية تنتهي باحتجاز في السعودية ثم إفلاس مالي، وما بينهما “مزاركة” على صلاحيات الرئاسة الثالثة! واقعٌ دفعه الى إزاحة كثيرين من حوله، مع الطلب من البقية تقديم الطاعة المطلقة.

هذا كثيرٌ على شابٍ، بلغة الكيمياء، قد يكون الأقرب بعفويته وادائه وبساطته في الكلام، الى اللبنانيين مقارنة بباقي الزعماء السياسيين. من يعرف الحريري جيّدًا يدرك أنّ قرارًا بحجم “دفن” صحيفة وتعليق العمل بشاشة تلفزيون ارتبطت عاطفيًا وإعلاميًا في بناء “ايماج” زعيم من وزن رفيق الحريري، آلمه كثيرًا. لكن لسببٍ ما لا يتخلى الحريري عن تفاؤله. يُمعِن في التبشير بوضعٍ أفضل حاملًا يافطة “سيدر” كمن يقول بعد مسارٍ من الخسارات “ثقوا بي ولن تندموا”.

 

 

 

 

 

 

 

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

13 حالة وفاة بكورونا في لبنان… وماذا عن الإصابات؟

أعلنت وزارة الصحة العامّة في تقريرها اليومي حول مستجدات فيروس كورونا اليوم الأحد، عن تسجيل …