الحريري يرفض “الوساطة الفرنسية”؟

الضغط عبر الإعلام لتأليف حكومة في مهلة أقصاها أسبوع، متواصل. في سبيل ذلك يحشد الفرنسيون والمصريون قواهم في محاولة إخراج المخلوق الحكومي من القمقم!

يريد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حكومة بأي ثمن. أبلغ الاوروبيين بمحاولته الأخيرة الجارية حالياً (تأمين التوافق على تشكيلة الـ24 التي وُلدت في بعبدا على يد وليد جنبلاط) قبل أن ينتقل إلى “الخطة ب” في حال فشلت مساعيه. و “الخطة ب” باتت تفاصيلها تقريباً معلومة بل وواضحة لدى الجميع: عقوبات ذات بعد أوروبي على قائمة من السياسيين المتهمين بالتعطيل، تبدأ على الأرجح بإصدار قرارات منع سفر، وفي مرحلة لاحقة تجميد العمل بأي إمتدادات مالية.

بالنسبة إلى ماكرون، لم يعد العدد أو الصيغة التي تنطوي عليها الحكومة مسألة مهمة، المهم تأليف حكومة ، وفي غضون أسبوعين على الأكثر تبدأ ورشة الاصلاحات المطلوبة دولياً، لذلك بات الفرنسي يعتبر أن انتظاره مدة تجاوزت الـ8 أشهر لتأليف الحكومة، مسألة لا بدّ من أن تجد نهاية لها، وعلى الأكيد أن الفرنسيين لن يدخلوا العام الأول لإطلاق مبادرتهم من بيروت من دون وجود حكومة أو تحقيق الحد الادنى المطلوب من قبلهم في مسألة الإصلاح وسوى ذلك، لذا فالفرنسي قرّر والمصريون يسيرون وما على اللبناني سوى التنفيذ.

والحراك المستجد من أجل إخراج الحكومة، بدأ مع جولات السفير المصري في بيروت ياسر علوي، بموازاة تحرك فرنسي مماثل وحراك ديبلوماسي واضح. وزيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري اليوم إلى بيروت، تُعدّ استكمالاً لما بدأه الأول الذي حضّر الارضية لقدوم رئيس ديبلوماسيته ، الذي يُفترض أنه محمّل برسائل عاجلة ذات بعد عربي، وإذا ما رُبطت بالمساعي التي يقودها الجانب الفرنسي لما يمثّل من طرف دولي، لفُهم أن الدفع الحالي لإنتاج حكومة، مترابطٌ بين مسعيين متكاملين، عربي تقوده مصر ودولي من نصيب فرنسا.

لكن وعلى أهمية ذلك، فإن المساعي، لن تجد طريقها إلى البرّ السليم دون إيجاد حلّ لمعضلة العلاقة بين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري ، ورئيس “تكتل لبنان القوي” جبران باسيل، لذلك عاد الحديث حيال جمع الطرفين في غرفة واحدة في محاولة لاستئصال الشوائب التي دخلت علاقتهما.

ومحاولة تقريب وجهات النظر بين الرجلين ليست جديدة ولم تهدأ. قبل مدّة وجيزة طرح وسيطٌ، أفكاراً للنقاش على قطبين في الداخل، على أمل أن يضغطا بإتجاه بلورة لقاء، وكان الحديث يسري حينذاك حول أن يتم تأمين اللقاء بتغطية من المرجعيات الدينية. ومن بين الأفكار أن يستضيف أحد الصروح الدينية فعاليات اللقاء، لكن ما حال دون ذلك هو التماس الرفض الصريح من جانب رئيس الحكومة المكلف، الذي أبلغ حينذاك أنه في حلٍّ من نقاش أمر الحكومة مع “رئيس كتلة نيابية”، والاصحّ، أن يناقش الأمر مع المعني المباشر والوحيد، أي رئيس الجمهورية، وفي ذلك كان الحريري يحاول أولاً شطب باسيل من المعادلة، ثم إلقاء الحمل في المفاوضات على رئيس الجمهورية وحده، المُتّهم أصلاً بأنه يميل إلى وجهة نظر باسيل، بينما الأخير لم يكن يومذاك متشجعاً للّقاء، لعلمه أن اللقاء لمجرد اللقاء لم ولن يؤدِ إلى شيء، بل أن المطلوب تهيئة ظروف اللقاء حتى يكون منتجاً.

الآن يُعاود استنهاض نفس الطرح لكن بشكل جديد. دخل الفرنسيون هذه المرة على الخط، ووكّلوا من يثقون بهم في لبنان ، إجراء استطلاع حول إمكانية عقد اللقاء بين الرجلين في باريس وتحت رعاية الرئيس ماكرون شخصياً، لكنهم وبحسب المعلومات اصطدموا بنفس العوائق السابقة: عدم تهيئة الأجواء المؤاتية للّقاء، وعدم توافر الرغبة لدى الجانبين، بخاصة الحريري، الذي ما زال يرى أنه لا يناقش موضوع الحكومة إلاّ مع رئيس الجمهورية.

ويتردّد هنا أن الفرنسيين، وفي سبيل إنجاح اللقاء، طرحوا فكرة توسيعه حتى يضمّ أشخاصاً محسوبين على المرجعيات الرئيسية، كرئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، حتى يكون اللقاء فعّالاً ومثمراً وتحت مسؤولية الجميع. لكن الطرح ما زال فكرة مطروحة على النقاش حتى الآن، لعدة أسباب، منها أن أي لقاء مشابه، يجب أن يتمتع بنفس درجة التمثيل، حتى يكون ذات فاعلية واضحة. أضف إلى ذلك أنه وفي حال الذهاب نحو التوسعة، لا بدّ إذاً من إشراك فعاليات سياسية أخرى منخرطة في مسألة صياغة القرار في لبنان، وهنا لا يجب استثناء الحراك المدني، ليس لأنه يُعدّ من مصادر القرار، بل لأنه أضحى، ومنذ 17 تشرين، حالةً موجودة، ما يعني أن نذهب نحو مؤتمر موسّع لأجل تشكيل حكومة فقط، وهو ما يراه متابعون بـ”الفعل الغير منطقي”، بل أن المنطقي أن تتمّ الدعوة إلى مؤتمر لبحث “المسألة اللبنانية” برمّتها، بدءً بقضية النظام وتطويره ووصولاً إلى هويته الإقتصادية البديلة لتلك التي تتهاوى الآن.

عملياً، ثبت أن الفرنسيين ما زالوا ضائعين حول سبل إنتاج الحل اللبناني، وذلك يُثبت من خلال مقاربتهم للمسألة برمّتها، فحين يطرحون عقد لقاء بين الحريري وباسيل، ويردّ الأول على الدعوة بالرّفض التام، فهذا ينمّ عن سوء تنسيق فرنسي أولاً، وعليه يتضح أن الفكرة لا تغدو كونها أكثر من تسريبة عبر الاعلام. وفي المقام الثاني، يطرحون عقد لقاء موسع ثم يتراجعون عن ذلك بسبب تعدّد التفسيرات، وهذا ايضاً ينمّ عن سوء قراءة للمشهد اللبناني. وقبل ذلك يطرحون حكومة محدّدة الشكل تحت مسمى “المهمة”، ولكن بعدما ثبت أن لا قدرة على تخريجها إلى العلن، يركنون إلى أي حلّ حكومي ويتركون سعد الحريري خلفهم متأبّطاً صيغة الـ18 والتي، جعلَ من نفسه إستشهادياً في سبيلها قبل أن يتخلى عنها الجميع، والفرنسيون أولّهم!

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

بعد منتصف نيسان: الدولار إما 10 أو فوق 15 ألف

يمسك سعر صرف الدولار نفسه منذ 22 آذار الماضي، ويتأرجح على تطبيقات الهواتف الذكية التي …