القرار إتُّخِذَ: لن نترك الشارع قبل تسمية من يشكِّل الحكومة

مشهدُ الاحتجاجاتِ في طرابلس وعكار وصيدا والبقاع الغربي، كادَ أن يحوِّلَ الثورة الجامعة العابرة للطوائف الى احتجاجاتٍ اسلاميّة – سنيّة في مساءِ اليوم الاول بعد الاستقالة.

حيث أنّ خروج الحريريين الحزبيّين في مواكبٍ سيّارة في بيروت وصيدا وطرابلس دعمًا للرئيس سعد الحريري، أتى في إطارِ محاولةِ التسلّلِ الى داخل الاحتجاجات في المناطق ذات الأغلبيّة السنيّة لكي يبدو المشهد، بأنّ الشارع المُنتَفِض هو سنيٌّ – حريريٌّ في مواجهةِ السّلطة ردًا على اسقاطِ رئيس الحكومة. إذ أنّ تيار المستقبل في أمسِّ الحاجةِ اليوم الى استعادةِ الحاضِنة الشعبيّة السّابقة لزعيمه التي تمرَّدت عليه في الأمس من أجل اسقاطه هو وكلّ حكومته التي تمثّل العهد المترنِّح بين الفساد والفشل.

الّا أنّ المحاولة الخبيثة للالتحامِ بشبابِ الثورةِ والتحصّن بهم من أجل رفع أسهم الحريري مجدَّدًا في المعادلة الداخلية تمَّت مجابهتها بسرعةٍ وحكمةٍ.

فأصحاب الحراك في المناطق لم يرضوا بخطفِ انتفاضتهم أو مصادرتها في بيت الوسط، ولكن كلّ هذا لا ينفع اذا ما عاد التضامن سريعًا بين لا مركزية التظاهرات والى مربّعِ الثورة الأول الذي يحمل العنوان الأكثر جاذبيّة “كلن يعني كلن”.

وهذا ما رفع من وتيرةِ الخوفِ عند الثوار الذين خرجوا من الطرقات. إذ اعتبروا، أنّ وحدتهم التي كانت السبب وراء ايصال صوتهم وتحقيق مطالبهم المعيشيّة باتت مُهدَّدَة بالانقسامِ، وبالتالي الفشل في الحفاظِ على أولى مكتسباتِ الثورة وهي استقالة الحكومة. فتنادى شباب وشابات الحراك في بيروت الى التضامنِ بشكلٍ عفويٍّ مع تظاهرات الأطراف وقرَّروا قطع طرقات العاصمة من جديد.

النداء الأوّل، كان على جسر الرينغ، حيث احتشدَ “الخارجون” من الشارع قبل ساعاتٍ وناشدوا رفاقهم لكي يحذوا حذوهم في باقي المناطق، فلبّت ساحة جلّ الديب النداء وأقفلت من جديد. ثمّ لاقتها الذوق وبدأ المحَتجّون بالنزول الى ساحات الاحتجاجات بالتواتر الى أن أُقفِلَ الطريق الدولي نهائيًا. وبهذا الفعل، لم تُقطَع الطرقات أمام السيّارات فحسب، بل تعدَّته الى قطعِ الطريقِ على محاولةِ تطييف الثورة واعطائها بعدًا مذهبيًّا – طائفيًّا قد يؤدي الى وأدها في مهدها.

اليوم، دخلنا المرحلة الثانية من الثورة، مرحلة حمايتها من الشرذمةِ ومن سمِّ الطائفيّة الذي سيفتك بجسدها اليافع الذي لا يحتمل عدوى الأمراض اللبنانيّة المُزمِنَة. وقبل أن بيزغَ الفجر، ذوق مكايل وجلّ الديب أنقذتا الثورة وأعادتا توجيه البوصلة بعد نداءِ جسر الرينغ “السّاقط أمنيًّا” والمُتقدِّم مطلبيًّا وسياسيًّا.

وقبل أن يتحقَّقَ هذا المشهدُ، عُقِدَ اجتماعُ بكركي الذي شكَّل نذير شؤمٍ بالنسبة الى المُنتَفِضين الذين يتعاطون بحذرٍ ولا ثقة شديدة مع كلّ ما يجري من أحداثٍ. إذ أنّ البيان الصادر عن اجتماعِ المطارنة الموارنة الذي انعقدَ في بكركي برئاسة وحضور البطريرك مار بشارة بطرس الراعي دعا اللبنانيين، الى “الالتفاف حول رئيس الجمهورية”.

بيانٌ ضربَ بعرضِ الحائطِ شعار “كلّن يعني كلّن”، وبدا للبعضِ، بأنّ كل ما جرى كان خديعة لاخراجِ سعد الحريري فقط من المعادلةِ السياسيّة.

هنا، بدأ أصحابُ الهواجسِ برفعِ وتيرةِ تحريضهم ضدّ السلطة، وعادت الاحتجاجات الى طرابلس وصيدا كما كانت قبل استقالة الحكومة. فهاتان المدينتان اللتان لطالما ساندتا الحريري وشكَّلتا له الرافعة الشعبيّة في السّابق، انتفضتا عليه في 17 تشرين الأوّل كما على كلّ شركائه في السّلطة لاسقاطهم مجتمعين وليس لاسقاطه وحده.

وكان سبقَ كلّ ذلك، أجواء من اللاثقة مَهَّدت الى اشعالِ الشارعِ الذي لم ينطفِىء أصلاً، بل كانت “ناره” تنام تحت الجمرِ الذي ألهَبته الأحداث المتسارعة في اليوم الأول للهدنةِ بين الثورة والسّلطة. إذ أظهرت الأولى حسن نية وأعطت الثانية فرصة للمضي قدمًا بتحقيقِ المطلب الثاني وهو بدايةُ تشكيلِ حكومةٍ جديدةٍ.

إلّا أنّ الوقائعَ الملموسة للساعاتِ الأربع والعشرين التي تلَت الفراغ الحكومي لم تُبشِّر بالخير. إذ عادت الوجوه السياسيّة التقليديّة ومعها عدّتها الاعلاميّة من محلِّلين وصحفيين الى التكرار الخشبيّ والكلام الفارغ الذي لا يشبه نمط الحياة السياسيّة الجديد الذي كرَّسته الثلاثة عشر يومًا الماضية. وعصر اليوم الاول من التهدئة، بدأت المخاوف تتنقَّل بين الذين تركوا السّاحات من أن يُصار الى سرقةِ انجازهم الاول وتوظيفه لانتاجِ حكومةٍ جديدةٍ تشبه سابقاتها بمعزلٍ عن مطالبِ الشارعِ بضرورة تغيير كافة الوجوه الحزبيّة والتقليديّة التي تحكَّمت بالبلادِ والعبادِ في كلّ الفترة الماضية.

مرَّةٌ جديدةٌ، أظهرَت السلطة، أنّها غير قادرةٍ على مواكبةِ الاحداثِ والتعاطي معها بشكلٍ عقلانيٍّ. فبدل أن ينكبَّ أهل القرار على ورشةِ عملٍ جديّّةٍ لترميمِ جزءٍ من الثقةِ مع الشارعِ المُنتَفِض، رأيناها تُمضي اليوم الأول بشكلٍ روتينيٍّ بطيءٍ كانت حصيلته لقاءات كلاسيكيّة في بعبدا وعين التينة مع تصريحاتٍ لا تتناسب مع هذا الحدث غير المسبوقِ في تاريخِ السياسةِ اللبنانيّةِ.

القرار إتُّخِذَ، وبعيدًا من نظريّةِ المؤامرةِ، تداعى شباب الحراك الشعبي من دون سابقِ تصوّرٍ وتصميمٍ وتضامنوا مرّة جديدة لشلِّ الدولة وارباكِ السلطةِ من جديد. فلا خروج من الشارع قبل تكليف أحدٍ من أهل الثقة لتشكيل حكومةٍ تُباشِر بالاصلاحات فورًا ومن دون أيّة مماطلةٍ أو تسويفٍ أو كسبٍ للوقتِ. إذ أنّ التجربةَ مع هذه السلطة أثبتَت أنّها لا تعمل إلّا تحت الضغطِ.

وفي حالِ جرى التجاوب مع الارادة الشعبيّة، وتمّت تسمية رئيسٍ عتيدٍ للحكومةِ، ربّما قد تُفتَح الطرقات تمهيدًا لايجادِ حلٍّ.

رياض طوق – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

11 حالة وفاة بكورونا في لبنان… وماذا عن الإصابات؟

أعلنت وزارة الصحة العامّة في تقريرها اليومي حول مستجدات فيروس كورونا اليوم السبت، عن تسجيل …