القطاع المصرفي بفوضى عارمة: “الكابيتال كونترول” لا مفر منه؟

يعقد اتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان، يوم الاثنين، اجتماعاً قد يفضي إلى إعلان الإضراب، احتجاجاً على تجاوزات بعض المودعين، وسط فوضى عارمة وتخبط يعيشهما القطاع المصرفي، بسبب تأخر اطلاق الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة سريعاً، فيما جمعية المصارف تغطّ في “كوما” وتكتفي بإصدار البيانات الخاصة بالعمل والتعطيل، واضعة مدراء مصارفها وموظفيها بمواجهة مودعين هلعين على أموالهم، بسبب حمى الشائعات.

الإخفاق السياسي
رئيس اتحاد نقابات موظفي المصارف في لبنان، جورج الحاج، قال في اتصال مع “المدن” أنه من غير المقبول أن يعِد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الناس ببقاء أبواب المصارف مفتوحة، فيما يتعرض موظفو المصارف في بعض المناطق للتهديد بالقتل بواسطة السلاح والضرب واحتلال الفروع: “الموظف ليس مكسر عصا ولن نقبل بهذا الواقع”. الحاج الذي أكد أن بحوزة الاتحاد صوراً ووثائق عن اعتداءات بحق الموظفين. وقال أن ذلك سببه شائعات التسجيلات الصوتية التي تصل الناس من خلال تطبيق “واتساب” تخبرهم عن احتمال افلاس المصارف وامتناعها عن الدفع.

ويكشف الحاج أنه دعا المجلس التنفيذي في الاتحاد إلى الاجتماع للبحث بالخيارات، لأن الوضع فاق قدرة الموظفين على التحمل، رافضاً الكشف عن القرار المنتظر يوم الاثنين، واصفاً في الوقت نفسه تُهم التواطؤ مع الجمعية لاغلاق المصارف هرباً من الالتزامات المالية، بالأمر السخيف والهزلي، وقال: “كفى تهرباً، فالكل يعلم أن الأزمة سياسية بالدرجة الأولى، وعلى الجميع أن يتنازل لحلها بأي طريقة. لا يهمنا شكل الحكومة، وإنما نحن معنيون بعدم الانزلاق إلى الفوضى. الموظف ليس الجهة المطالبة بدفع ثمن الاخفاق السياسي. ولن نسمح بإهانته على الإطلاق”.

تخبط الموظفين والمودعين
وفيما سخر الحاج من ادعاء نُقل عن لسان رئيس جمعية المصارف سليم صفير بأن “الأمور تمام”، سأل: “لماذا تضعنا جمعية المصارف في فوهة المدفع من دون أن تقدم أي توضيحات؟”، وختم حديثه بالتأكيد على أن الحل يتطلب تظافر جهود أطراف ثلاثة: الموظفين وجمعية المصارف والمودعين، يضاف إليهم الدولة “المطالبة بحمايتنا، لأن الاستمرار بهذا الوضع أمر مستحيل، وإلا فليتحلّوا بالصراحة وليخبروا الناس بالحقيقة. هل تريدون نظاماً مصرفيا موجهاً؟”.

ومنذ اندلاع الثورة في 17 تشرين الفائت، لم تكلّف جمعية المصارف نفسها بوضع الناس في حقيقة ما يجري، مكتفية بمراقبة موظفي المصارف الأبرياء يتخبطون مع المودعين المصابين بالخوف على جنى العمر، بسبب فقدان عملة الدولار من السوق، ويذعنون لطلبات المودعين بقوة سلاح كاميرات الهواتف الذكية. فجمعية المصارف بصمتها بدت كمن يطلق الرصاص في خاصرته، لأنها المسؤول الأول عن تطمين عملاء المصارف، وإن تهافتوا على سحب الأموال ستكون هذه الجمعية ومصارفها المتضرر الأول.

وفي هذا الصدد، يدقّ الخبير في إدارة المخاطر الدكتور محمد فحيلي ناقوس الخطر، فيؤكد أن المجلس المصغر لجمعية المصارف مطالب بعقد مؤتمرٍ صحافي يجيب من خلاله على تساؤلات الناس بأقل واجب، “لو تسنت لي الفرصة لمخاطبة اللبنانيين لقلت لهم: أنتم تتصرفون نتيجة شائعات، فإذا قصدنا جميعنا المصرف للحصول على إيداعاتنا في الوقت نفسه قد لا يتمكن المصرف من ذلك، وستكونون أول المتضررين. ولهذا علينا أن نسحب أموالنا بقدر الحاجة فقط، أقله بهذا الظرف الدقيق”.

ويلفت فحيلي إلى أن الجمعية مطالبة بإجراء مصارحة يومية مع الناس، تخبرهم بأن الطلبات الزائدة ستقلص قدرة المصارف على تلبيتها، من خلال عقد مؤتمرات صحافية للإجابة عن أسئلة المواطنين الخائفين، طالما أن مسؤوليتها هي الحفاظ على سمعة المصارف. ويتوجب تشكيل خلية أزمة هدفها الرد على استفسارات المواطنين وتسكين مخاوفهم. وكذلك المصارف، فمن مسؤوليتها أيضاً توظيف مراكزها الهاتفية وصفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي في توعية الناس وتثقيفهم عن هذه المخاطر بدلاً من تسويق الخدمات: “المصارحة المفتوحة الآن تريح الناس وتخبرهم بما يحصل حقيقة، ليكونوا شركاء في الحفاظ على أموالهم وعلى القطاع المصرفي”.

المودعين الصغار
وبعد ربطه الأزمة بسُبات جمعية المصارف والشائعات المؤذية، يدخل فحيلي في تفاصيل احتمال تعثٌر المصارف في تلبية طلبات المودعين، فيكشف أن المشكلة غالباً مع صغار المودعين وليس الكبار أصحاب المدخرات الضخمة، وذلك بعكس ما يظن البعض. لأن مدخرات هؤلاء عبارة عن حسابات استثمارية غير مخصصة للسحوبات اليومية كتلك الخاصة بصغار العملاء. هم لا يتأثرون بتأمين الدولار من عدمه لأنهم يملكون بطاقات ائتمانية بأرصدة ضخمة ولديهم حسابات خارج لبنان يمكنهم اللجوء إليها عند الحاجة. حتى المصارف المحلية قد تساعدهم في الحصول على أموالهم لأن ودائعهم كبيرة ولا مصلحة لها في إثارة غضبهم.

ويضيف فحيلي أن أي وديعة في المصرف تُوزّع دائما على أربع مَحافظ: المحفظة الأولى للاحتياطي الإلزامي في مصرف لبنان، المحفظة الثانية للاحتياطي الوقائي يلبي المصرف بواسطتها طلبات المودعين اليومية، فيما الثالثة تُوظف بسندات الخزينة واليوروبوند، كما أن تسييلها سهل وسريع، أما المحفظة الرابعة فتحويلها إلى سيولة جاهزة أمر صعب نسبياً، لأنها مخصصة لقروض المؤسسات التجارية والمواطنين. وهي غالبا قروض طويلة الأمد وتشغل الحيز الأكبر من توظيفات المصرف. ويختم فحيلي بأنه يحبذ خيار وضع الضوابط الاستثنائية على السحوبات والتحويلات (Capital control) رغم خرق ذلك لقانون النقد والتسليف، لأنه أمر ضروري جداً. وبالتالي عدم تلبية المصارف لحاجات الناس المصطنعة بهذا التوقيت أمر لا ريب فيه: “فالضرورات تبيح المحظورات، وحينما يطلب العميل أكثر من حاجته يمسي المصرف مضطراً للاستجابة فوق قدرته، كالمريض الذي يركض أكثر من طاقته فيُصاب بسكتة قلبية.

عماد الشدياق – المدن

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الضاحية في رسالتين للحريري:عد إلى قواعد التشكيل المعهودة..وتَجاوَز إدارة ترامب!

بعد التيار الوطني الحر، فرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وأخيرا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة …