المحامي “المزدوج” في ملف الخلوي!

إهمال التحكيم كلّف الخزينة أموالاً طائلة لمصلحة FTML وLibancellانشغلت أوساط واسعة في البحث عن اسم المحامي، أو مكتب المحاماة، الذي أشار إليه وزير الاتصالات جبران باسيل في معرض عرضه لملف فضائح الهاتف الخلوي منذ توقيع عقدي الـ BOT مع FTML وLibancell في عام 1994 وحتى فسخهما في عام 2001 في ظروف لا تزال غامضة لدى الكثيرين، فمن كان يقصد باسيل؟
في مؤتمره الصحافي الذي عقده في 22 من الشهر الماضي، قال وزير الاتصالات جبران باسيل ما حرفيته «إن الدولة اعتمدت مكتب محاماة، أو أحد المحامين، هو في الوقت نفسه يعمل في مكتب آخر له ارتباطات بإحدى شركتي الخلوي… وهذا تضارب فاضح، بل هذه فضيحة قائمة بذاتها». اكتفى الوزير باسيل بهذا القدر من الكلام المباح، رافضاً الإشارة بالاسم إلى الشخص، أو المكتب المقصود، معتبراً أن واجبه يقضي بإحالة الملف إلى القضاء والاستجابة لكل طلباته عندما يطلب منه ذلك، لأنه لا يريد، بحسب تعبيره، أن تُفسّر خطوته بالكشف عن بعض التفاصيل لدواع انتخابية، ولا سيما أن مؤتمره المذكور جاء قبل 16 يوماً فقط من الانتخابات النيابية التي ستجري غداً الأحد، وهو المؤتمر الذي كشف فيه عن اختلاسات وهدر في المال العام بمبالغ تتجاوز المليار دولار، وهي لا تمثّل إلا النزر اليسير من هذا الملف الذي شغل اللبنانيين على مدى 15 عاماً من دون أن أن يلاحَق المتورطون فيه والمسؤولون السياسيون عنه.
وجاءت إشارة باسيل إلى المحامي «المزدوج» في سياق عرضه للثغرات التي اعترت أداء الحكومة في التحكيم الذي لجأت إليه شركتا FTML وLibancell لمطالبة الدولة بتعويضات خيالية من جرّاء فسخ العقدين معهما، ولا سيما في مرحلة المفاوضات بين الحكومة والشركتين التي تلت صدور القرارات التحكيمية ضد الدولة اللبنانية، إذ إن السياق العام لما جرى، في ذاك الحين، بيّن بوضوح أن هناك تواطؤاً موصوفاً من مراكز نافذة مع الشركتين بهدف إخراجهما من القطاع الخلوي بأكبر مكاسب غير شرعية على حساب كل اللبنانيين وخزينتهم العامّة.
فالمعروف أن مجلس الوزراء أصدر قراره الرقم 2 بتاريخ 14/6/2001، القاضي بفسخ عقدي الـ BOT مع كل من شركتي FTML وLibancell اعتباراً من 31/8/2002، أي بنهاية السنة الثامنة من العقدين، وهو الموعد المحدد لرفع حصة الدولة من الإيرادات الإجمالية من 20% إلى 40%. وبحسب تقرير باسيل المرفوع إلى القضاء، فإن هذه الخطوة، المفاجئة في حينها، وغير المبررة، أدّت إلى حرمان الدولة من مضاعفة حصتها مرة واحدة خلال فترة السنتين التاسعة والعاشرة، (تقدر العائدات الفائتة خلال هاتين السنتين بـ12 مليون دولار شهرياً، أي ما مجموعه 288 مليون دولار أميركي)، ومضاعفتها مرة ونصف خلال فترة السنتين الحادية عشرة والثانية عشرة (تقدر بـ18 مليون دولار شهرياً، أي ما مجموعه 432 مليون دولار)، بالإضافة إلى حرمان الدولة من ضريبة الدخل التي كانت تستوفيها من أرباح كل من الشركتين (22 مليون دولار سنوياً، أي 88 مليون دولار خلال السنوات الأربع).
ولا تنحصر الخسائر بتفويت دخل مضمون بقيمة 808 ملايين دولار، بل قرر مجلس الوزراء منح الشركتين، على الرغم من مخالفاتهما الكبيرة للعقدين في خلال فترة التشغيل، تعويضات بلغت قيمتها (قبل صدور قرارات التحكيم) 180 مليون دولار، منها 112 مليون دولار لمصلحة FTML و68 مليون دولار لمصلحة Libancell، فضلاً عن التنازل عن سند التحصيل المنظم بحق كل من الشركتين بقيمة 300 مليون دولار… أي أن مجلس الوزراء حرم الخزينة من دخل كان سيتحقق في السنوات الأربع الباقية من عمر العقدين، ورتّب خسائر بقيمة 780 مليون دولار (التعويضات وسندا التحصيل).
وعلى الرغم من كل ذلك، لم تكتف الشركتان بما حصلتا عليه، فلجأتا إلى التحكيم الدولي، مستظلّتين بالتواطؤ المشار إليه، وهو ما تّرجم تقاعساً فاضحاً في متابعة جلسات التحكيم وتقديم الملفات، ولا سيما أن مجلس الوزراء رفض لفترة طويلة صرف مستحقات محامي الدولة وتأمين كلفة انتقالهم وإقامتهم في الخارج، فيما الشركتان عيّنتا مكاتب محاماة دولية معروفة، وتبيّن في ما بعد أن أحدها، على الأقل، يرتبط بعلاقات عمل مع محام يعمل لمصلحة الدولة ومقرّب من الرئيس الراحل رفيق الحريري، فانتهى التحكيم إلى خسارة الدولة عبر إقرار تعويضات إضافية للشركيتين بقيمة 273 مليون دولار لشركة FTML و243 مليون دولار لشركة Libancell.
وعندما تسلّم الوزير ألان طابوريان مهماته في وزارة الاتصالات في عام 2005 في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، عمد إلى مفاوضة الشركة الفرنسية وخفض بالاتفاق معها قيمة التعويض الإضافي إلى 96 مليون دولار. وبنتيجته حصلت FTML على 96 مليون دولار زائداً 112 مليوناً مدفوعة سابقاً، أي ما مجموعه 208 ملايين… ولكن سرعان ما جرى الالتفاف على خطوة طابوريان، إذ اكتشف الوزير المعني أن هناك من كان يعمل أثناء التفاوض على ترتيب وضع شركة Libancell لتحصل على تعويضات إضافية تؤدّي إلى نسف الاتفاق مع الشركة الفرنسية وتحميل الخزينة المزيد من الخسائر، فقد طلبت Libancell لإجراء المخالصة مع الدولة أن تحصل على المبلغ المساوي لما حصلت عليه FTML ، أي 66 مليون دولار زائداً 140 مليوناً… فسارع مجلس الوزراء للاستجابة عند عرض هذه المخالصة، وقرر أن تتساوى الشركتان في التعويضات، ما جعل FTML تطالب بالفارق بين الـ140 مليون دولار التي حصلت عليها ليبانسيل والـ96 مليوناً التي حصلت هي عليها، فاستحصلت FTML بعد مفاوضة الدولة على 30 مليون دولار إضافية. وبعد الكر والفر هذا، دفعت الدولة نحو 450 مليون دولار لإنهاء المخالصة مع الشركتين. ولم تنته فصول الفضيحة، إذ إن مجلس الوزراء عمد أيضاً إلى إعفاء الشركتين من دفع الضرائب والرسوم المتوجبة على مبلغ التعويض (تقدر قيمة ضريبة الدخل المتنازل عنها بنحو 24 مليون دولار من شركة FTML و35 مليون دولار من شركة Libancell، ويقدّر رسم الطابع المالي المتنازل عنه بمعدل 3 بالألف عن العقد و3 بالألف عند الدفع بنحو 576 ألف دولار من شركة FTML و840 ألف دولار من شركة Libancell).
وعلى الرغم من أن الفضيحة واضحة في كل هذه التفاصيل المثيرة، فقد بقيت الشركتان نفساهما تديران شبكتي الخلوي حتى عام 2004 وتجنيان أرباحاً طائلة! كيف حصل كل ذلك؟ ولماذا لم تتابع الحكومة دعاوى التحكيم بطريقة شفّافة؟
في عام 2002، وبعد لجوء الشركتين إلى التحكيم الدولي، قرر مجلس الوزراء برئاسة الرئيس الراحل رفيق الحريري تكليف مكتب المحاماة البريطاني «كليفورد تشانس» بالمرافعة دفاعاً عن الدولة اللبنانية في الدعوى التي أقامتها شركة «فرانس تليكوم» الفرنسية، التي تمتلك حصة الأغلبية في شركة FTML، أمام محكمة الأمم المتحدة في نيويورك بتهمة تأميم الخلوي، وتبيّن لاحقاً أن هذا المكتب له علاقة عمل مع المحامي كميل شاكر أبو سليمان، المقرّب من الرئيس الحريري والمستشار القانوني للمجلس الأعلى للخصخصة، وهو كان يعمل في مكتب «ديوي بلانتين» الذي قدّم الاستشارات القانونية في ما بعد في صفقة شراء مجموعة MTN لمجموعة «انفستكوم»، التي يملكها آل ميقاتي شركاء فرانس تليكوم في FTML، بمبلغ 5.5 مليارات دولار في عام 2006، وقبل ذلك في عملية إدراج أسهم «انفستكوم» (770 مليون دولار) في بورصة دبي. وهذه الصلة المتضاربة لا تنحصر في هذا الجانب، بل إن مكتب «كليفورد تشانس» يرتبط بعلاقة مباشرة ومميزة مع «فرانس تليكوم» منذ ما قبل عام 2000، بحسب حديث للشريك في المكتب كيث هايمان لموقع THE LAWER في عام 2002، إذ قال إن العلاقة بين مكتبه والشركة الفرنسية تعززت بعد تمثيلها في صفقة بيع معظم خدمات البث التي تملكها في شركة TDF بمبلغ 1.9 مليار يورو، علماً بأن هايمان كان قد مثّل الشركة الفرنسية في عام 1999 عندما استثمرت 5.5 مليارات دولار في شركة NTL في لندن عبر مكتب «نورتن روز».
ولكن مجلس الوزراء عاد واستبعد «كليفورد تشانس» من دون أن يقدّم مبررات واضحة، وعُيّن المحامي اللبناني أنطوان قرقماز وشريكه الفرنسي روبين في عام 2004، ولا سيما لجهة تقديم الدولة اللبنانية دعاوى لدى المحكمة السويسرية الفدرالية لإبطال قرارات التحكيم التي جاءت لمصلحة الشركتين بالكامل، إلا أن أصواتاً كثيرة ارتفعت حينها تعترض على تعيين قرقماز باعتباره غير خبير في مثل هذه القضايا، وتوّج الأمر بامتناع وزير الاتصالات مروان حمادة في عام 2005 عن تسديد ما يطالب به المحامي لقاء أتعابه (حوالى مليوني دولار) فيما كانت القضية لا تزال في منتصف الطريق، وحُوّل أمر المتابعة إلى محامي هيئة القضايا في وزارة العدل بعد تعليق قرقماز عمله بانتظار تسديد مستحقاته، وفي نهاية الأمر، لم تجر متابعة الدعاوى بل كان هناك مفاوضات جارية تحت الطاولة لإرضاء الشركتين خارج المحاكم على الرغم من أن ديوان المحاسبة أعدّ تقريراً بالمخالفات التي ارتكبتها الشركتان منذ إرساء العقدين عليهما!
في هذا الإطار، برز اسم أبو سليمان الذي كان يقوم بدور غير معلن من أجل تسوية النزاع بين الدولة والشركتين، فهو القريب جداً من مراكز القرار، والمرتبط بعلاقة مع آل ميقاتي وشركة فرانس تليكوم وآل دلول وشركتهم Libancell، وهو الصديق للمحامي بيرج سيتراكيان الشريك في مكتب «لوبوف لامب غرين اند مكراي» في نيويورك الضالع أيضاً بقضايا التحكيم في لبنان عبر مسؤول مكتبه في باريس اريك شورتس، الذي تولّى أيضاً وأيضاً قضايا عدّة لمصلحة شركة «فرانس تليكوم» في نزاعها مع «دوتش تليكوم» في عام 2006، واللافت في هذا السياق أن مكتب أبو سليمان «ديوي بلانتين» اندمج مع مكتب سيتراكيان في عام 2007 تحت اسم «ديوي ان لوبوف».
ويعتبر أبو سليمان، وفقاً لمقابلة منشورة على موقع «Legalweek.com»، أنّ أكثر الصفقات التي تركت أثراً في ذاكرته هي تلك التي أبرمها «خلال 13 عاماً من العمل للبنان». فهو كان له «شرف» العمل على إصدارات لبنان في الأسواق الماليّة منذ عام 1994 «رغم التغييرات المتعددّة في الحكومة». وفي الحديث نفسه، يرى أبو سليمان أنّ الشخص الثاني الذي أثّر على مسيرة عمله بعد والده هو بيرج سيتراكيان «الشريك في مكتبنا في نيويورك» فهو «قدّم لي وظيفتي الأولى عام 1982 ووظيفتي الحاليّة بعد 25 عاماً».
ففي الوقت الذي يرتبط أبو سليمان بعقود عمل مع الدولة اللبنانية، كان يرتبط هو وسيتراكيان بعلاقات عمل مع خصوم الدولة… وهذا ما ينطبق على كل مراحل النزاع القضائي منذ تكليف مكتب «كليفورد تشانس» وصولاً إلى المخالصات التي جرت تحت الطاولة برعاية أبو سليمان وبتغطية من السياسيين في حينه.

الأخبار

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الراعي من بعبدا: الحكومة لا تُشكَّل بالتقسيط

التقى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بعد ظهر اليوم في قصر بعبدا، البطريرك الماروني مار …