جزء من الأموال “المنهوبة ” بالخارج.. ما تحتاجون معرفته عن رفع السرّية المصرفيّة

…وفي اليوم الثالث عشر حصلت استقالة الحكومة على وقْع هتافات الثوّار في الشارع. وإلى حين انقشاع الرؤية في الأيّام المقبلة، فإن يوم المساءلة والمحاسبة على سنوات الفساد الطوال آتٍ لا محالة، إستجابة الى مطالب المناضلين. فكيف ستتم محاسبة السياسيين على أفعالهم السابقة استناداً الى قانون الإثراء غير المشروع؟ وهل يكفي رفع السرّية المصرفية لمعرفة الأموال المنهوبة، وما هي الآلية التي يمكن اعتمادها؟

لم يعد خافياً على أحد أن عدداً كبيراً من المسؤولين والسياسيين في البلاد “آكلين البيضة والتقشيرة”. هم الذين يتقاسمون قطعة الجبنة وفقاً لاعتباراتهم ومصالحهم، فبنوا القصور وتملكوا العقارات بملايين الدولارات، والأكثر من ذلك أنهم هرّبوا تلك الأموال ولا يزالون الى خارج البلاد فأودعوها في أرصدة بأسمائهم وأسماء مغايرة قائمة وأحياناً غير صحيحة كي لا تتمّ مساءلتهم: من أين لك هذا؟ واتهامهم بالفساد.

أما الشعب فكان الضحية، إذ ازداد فقراً فألغيت تلقائياً الطبقة المتوسطة واقتصرت الطبقات على الفقيرة والغنية. حتى أن القدرة الشرائية تراجعت والنمو تخطى نزولاً عتبة الصفر والجمود يتفاقم… والحكومة المستقيلة “فوق قرقو تقلّو” عمدت الى فرض المزيد من الضرائب على الطبقة الفقيرة.

إلا أن بعض الوزراء وفي محاولات أخيرة لتخدير الشارع اقترحوا المبادرة الى رفع السرّية المصرفية عن أموالهم. هذا المخرج ورغم أنه مفهوم مستجدّ على الساحة المحلية، الا أنه لا يشفي غليل الشعب ولا يرمم الثقة التي فُسخ عقدها منذ سنوات طوال بفضل الوعود الكاذبة.

جزء كبير من الأموال “المنهوبة “هي خارج البلاد، فما هي الأصول المتبعة عادة لرفعها؟

مفهوم السرّية المصرفية اختلف على مرّ الوقت عن ذلك الذي أنشئ لأجله في العام 1956. حينها ساهمت السرّية في جذب رؤوس الأموال والودائع وتوفير مناخ الإستقرار الإقتصادي، باختصار ساهمت في إثراء البلاد. في ما بعد اختلفت المعادلة وبات القانون يشكّل الى حدّ ما غطاءً لعمليات تمويل الإرهاب وتبييض الأموال وأخيراً لتحقيق الإثراء غير المشروع للسياسيين وأصحاب النفوذ.

هذا الغطاء للأعمال غير المشروعة جعل لبنان يعتمد تدابير وإجراءات عدة فأصدر العام 2001 القانون رقم 318 المتعلّق بمكافحة تبييض الأموال وانخرط في اتفاقيتَي بازل 1 وبازل 2 وغيرهما… للتوفيق بين حاجته إلى السرّية المصرفية وضرورة انخراطه في الجهود الدولية لمكافحة جريمة تبييض الأموال.

وفي ما بعد استبدل القانون 318/2001 بآخر رقم 44/2005 الذي سمح لـ “هيئة التحقيق الخاصة” بطلب رفع السرّية المصرفية عن بعض الحسابات إذا تبين أنها تنطوي على تبييض الاموال وتمويل الارهاب.

 

إقرار قانون شامل

ويقول المحامي د. انطوان صفير لـ”نداء الوطن”، إن “رفع السرية، بالشكل المطروحة فيه حالياً، يمكن أن يتمّ بمبادرة فردية، فيرفعها المسؤول عن أرصدته أو تتمّ من خلال إقرار قانون خاص يقضي برفعها عن كل المتعاطين في الشأن العام فيعدّل قانون المصارف ويصوّت عليه في مجلس النواب، بغض النظر عما اذا كان يحظى بالرفض أو التأييد من هذا المسؤول أو ذاك”.

ماذا عن رفعها قسراً من خلال “هيئة التحقيق الخاصة” في مصرف لبنان والتي تأسست العام 2001 واتخذ قرار باستقلالها في العام 2015 باعتبارها تتمتع بالشخصية المعنوية؟

تتم عملية رفع السرية المصرفية من خلال “هيئة التحقيق الخاصة” عادة في حالة الشبهة بتبييض أو تهريب أموال وبناء على طلب من القضاء نتيجة تحقيق ناجم عن ادعاء.

وتتألف “الهيئة” من حاكم مصرف لبنان، وقاضٍ معيّن في الهيئة المصرفية العليا، ورئيس لجنة الرقابة على المصارف وعضو من مجلس الوزراء. ويوضح مصدر مصرفي لـ”نداء الوطن” ان “الهيئة تلك لا يحق لها الاطلاع على الحسابات التي لم تمتّ لها أي شبهة. لكن يمكن عندما يرغب القضاء في الإستفسار عن ممتلكات أي شخص في اطار التحقيق في دعوى تبييض أموال، أن يطلب عندها من الهيئة رفع السرّية”.

من هذا المنطلق، يلفت المصدر نفسه إلى أنه “لا يحق للزوج أن يعلم قيمة الأموال التي هي في رصيد زوجته والعكس صحيح”، فكيف بالحري بالسياسي الذي يتمتع بالحصانة حيث لا يمكن الإطلاع على حساباته إلا عند وجود شبهة عليه بتبييض الأموال!

سندات إسمية وأسماء وهمية

يؤكد المحلل الإقتصادي باسل الزين لـ”نداء الوطن” أن “المختلسين يملكون حسابات باسمهم أو باسم أقربائهم بطرق مختلفة، تكون إما حسابات باسم شركات مسجلة في جزر المحيط الهندي أو الأطلسي أو دول أفريقيا أو أميركا الوسطى، ويتمتع المسؤول بجنسية هذه الدول ولا يوجد حساب باسم شخصي سوى بحسابات بسيطة”. ويشير إلى أنه”حتى أن الحسابات تم وضعها بسندات إسمية للشركات المسجلة بأسماء وهمية”.

أما عن كيفية ملاحقة هؤلاء فيقول: “الملاحقة تستوجب رفع السرّية المصرفية عن اسمائهم وشركاتهم وشركات أولادهم وأحفادهم، إضافة الى محاسبتهم عن طريق الجنسيات الغربية التي يملكونها من فرنسية وانكليزية وكندية واميركية وسويدية وأوروبية أو عربية أو أفريقية. فجميع المرتشين لديهم أسماء مختلفة بجوازات سفر أجنبية، من هنا إن أي شخص يحصل على جنسية يمكنه ان يعدّل إسمه وهي تختلف عن أسمائهم الحقيقية حسب جواز السفر أو إخراج القيد أو الهوية، الأمر المتعارف عليه دولياً”.

ويتابع: “من هنا فلا يكفي رفع السرّية المصرفية، بل يجدر أن يبرز المسؤول اللبناني جوازات سفره المختلفة ويتعهد بأن هذه الجنسيات هي الوحيدة التي يملكها وتحت طائلة العقوبات المتشددة، وعلى ضوء الجوازات يتقدّم برفع السرّية المصرفية والتجارية والشخصية والملكية في لبنان والعالم”.

ويضيف: “إن إرادة المشرّع اللبناني، عند إصداره قانون السرّية المصرفية، لم تكن منصرفة إلى بسط حماية قانونية على أموال محصّلة بطرق غير مشروعة، بدليل ما ورد في أسبابه الموجبة حول الغاية منه، وهي: السعي لجذب الرساميل الأجنبية إلى لبنان وبصورة خاصة رساميل الدول العربية، وإن المنافع التي سيجنيها الإقتصاد ستعوّض كفاية عن الأضرار التي قد يلحقها هذا التشريع بخزينة الدولة لجهة تحصيل الضرائب”.

السرّية غير نافعة

إذاً، خلاصة السرّية المصرفية أنها لم تعد تنفع لبنان، إنما رفعها يسبب ضرراً وأذى معنوياً وسمعة سيئة، ولم نعد نستفيد منها كما كانت الغاية منها عندما أنشأها القانون العام 1956، وقتها كانت تشكّل جزءاً من سبب ثروة وغنى لبنان.

اليوم ليست لديها تلك الغاية ورفعها لن يحقق الكثير، من هنا ضرورة العودة الى القضاء الذي يمكنه طلب كشف أي حساب من المصرف ولو ليس هناك من جرم لتبييض الأموال، علماً أن العلاقة المباشرة اليوم، بين القضاء والمصارف معدومة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

باتريسيا جلاد – نداء الوطن

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

“عبر حزب الله… الإيرانيون يقتربون من هدفهم”

نجحت إيران في فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل، وباتت تزحف عبر سوريا ليصبح ما يفصلها …