الرئيسية / الأبرز / حين لوّح جوزف عون بالإستقالة

حين لوّح جوزف عون بالإستقالة

كلامُ رئيس مجلس النواب نبيه بري في “ثلاثاء الحصار” حول “الغرفِ السوداءِ المُخصَّصَة للفتنة وإراقة الدماء”، وما جرَّ من كلامٍ انتقاديٍّ لاذعٍ غلّف بصياغةٍ منمّقةٍ، فُسِّرَ على أنّه مظهرٌ من مظاهر الفجوة الناشئة بين المؤسَّسَتَيْن السياسيّة والأمنيّة في البلاد. وبما أنّ “أمور الخطابة” وصلت إلى هذا الدرك بين الجانبَيْن معناه أنّ منطق الكلام أصبحَ متعذرًا.

تستغرب مصادرٌ على إطلاع مباشر لما يحدث على الأرض، الزجّ بإسم الجيش اللبناني في قضية إغلاق منافذِ ساحة النجمة وإلقاء اللوم عليه في شأن عدم الإقدام على فتحِها، كاشفةً، أنّ مسألة حفظ الأمن لم تكن مُلقاة على عاتق الجيش بل قوى الأمن الداخلي بدليل التعهد الذي قطعته وزارة الداخلية إلى رئاسة المجلس بأن يتم تأمين مساربٍ للنوابِ، مشدِّدةً، على أنّ دورَ الجيش انحصرَ بالتواجد في الخطوطِ الخلفيّة للمؤازرة فقط.

في ضوءِ ما جرى، هناك من يقول، أنّ جهةً ما في الداخل، لها مصلحة في زرعِ الشقاق بين ثلاثِ محاورٍ: “السياسة والشعب والعسكر”، بناءً على استدراجِ عروضٍ يهدف إلى زعزعة أواصل تلك العلاقة، منها “نكث الثقة” التي تؤدي اليوم دور صمام الأمان بين الجهات الثلاث.

وللحقيقة، فإنّ المسارَ الذي إنتهجَ “سواحتيًّا” بعد كلام قائد الجيش العماد جوزاف عون حول الحفاظ على حقوق المتظاهرين وإنهاء ظاهرة قطع الطرقات، يدل في جانبٍ كبيرٍ منه على وجود نوايا تآمرية، تضرب أولاً مصداقية قائد الجيش من خلال تحدّيه بإغلاق الطرقات، وتسهم في تعزيز “الريبة” المتولدة لدى القوى السياسيّة حيال القائدِ بوصفه “الطامح السياسيّ”.

وليس سرًا، أنّ ما دار في “ثلاثاء الحصار” من إغلاقٍ لمداخل ساحة النجمة حالَ دون وصول النواب إلى المجلس للمشاركة في الجلسة التشريعية، زَرَعَ عوامل سلبيّة عدّة، منها نقض اجراءات الجيش المفترضة بوصفها “غير حقيقيّة”، وأثار السياسيّون تجاه تلك المؤسسة. على الرغم من ذلك، لا بدّ من لفتِ النظر حيال تلك الإجراءات بوصفها أسهمت في عدم حصول اصطدامٍ وجنَّبت الجميع إراقةِ دماءٍ لو رسا القرار على مواجهة المتظاهرين.

إنطلاقًا من هنا، لا بدّ من طرحِ سؤال، “لماذا إتّهام الجيش؟”.

في الواقعِ، إنّ مشروعَ إستهداف الجيش بدأ اعتماده عبر تساؤلاتٍ حولَ أسباب “مراعاته” إقفال الطرقات وهو ما أسَّسَ إلى هجماتٍ طاولته من جانبِ المعترضين على الاقفال وأرخى ظلالاً من الشكِّ حول أنّ “اليرزة” تريد الاستثمار بهم في إنتاجِ الفوضى إنسجامًا مع نمو بذورٍ “تآمريّة” يُقال، أنّها تعشعش في أذهان بعض أركان الجيش، المُتَّهمين بمداعبة أحلام السلطة.

وهناك من ذهبَ بعيدًا حين أسقط إتهامات قيادة ميدانيّة لتحرّكاتٍ إحتجاجيّةٍ وقطعٍ للطرق في العديدِ من المناطق، موحيًا، أنّ إستخبارات الجيش هي من تقوم بذلك عبر مجموعاتِ عملٍ ميدانيٍّ قوامها من العسكريين المتقاعدين.

ثم تطوَّر الأمر لاحقًا حين أقبلَ الجيش على اعادة فتح الطرقات معتمدًا على القوّة في بعضِ الأماكن بعدما حازَ على بركةِ القرارِ السياسيِّ، بإفتعال مسارٍ إتهاميٍّ طويلٍ حوله، بدأ بلجوئه إلى “مساندة السلطة وقمع الانتفاضة” ووصل الأمر حدّ تفعيل برنامج شائعات طاولت قائد الجيش الذي وُضِعَ رهن “الإقامة الجبرية”.

لكن المشكلة دائمًا تفتقد إلى البراهين والمعايير إذ تنطوي في جزءٍ منها على معلوماتٍ ذات أبعادٍ كيديّةٍ، سواء انطلاقًا من ظنون ناتجة عن تراكمات وتجارب ذات أبعادٍ شخصيّة، أو تنبعث عن غرفِ عمليّاتٍ موكلة إليها بعض الأهداف المُحدَّدَة، كتصفية حساباتٍ “سياسيّةٍ” مع قائدِ الجيشِ، المتهم بتبَنّي طموحات سياسيّة عابرة للسياسين.

صحيحٌ، أنّ الخلافَ تفَجَّرَ بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ خلال سريان مفاعيل التظاهرات الشعبيّة، لكن في الواقع، إنّ العواملَ المُسبِّبَة له يعود إنتاجها إلى أشهرٍ خلت، بعدما تواترت إلى أذهان فرقٍ سياسيّة معلومات عن “استثمار أميركي” ذات طابع سياسي في قائدِ الجيشِ.

يضاف إلى ذلك، أنّ ثمّة جهات محلية غذّت الضغائن تجاه القائد. إذ تعتبر، أنّ لها الحق الشرعي في استعراضِ الاحتمالات كافة أمامها، والخشية ربما من “تفاهمات القائد الاميركية”، رغم أنّ الأخير مرَّرَ عبر أصدقاءٍ مشتركين أكثر من رسالةٍ تدلّ إلى انتفاءِ وجودِ مثل هذه التفاهمات لديه، وأنّ العلاقة مع واشنطن تقوم على رؤية مصلحةِ الجيشِ، وإنه شخص خالٍ من أية رغبات سياسية.

لا بل أنّه وفي إحدى المرّات، نُقِلَ عنه قوله، أنّه مستعدٌّ للخروجِ من اليرزة “كي يريح البال”. ولعل في هذه العبارة تلويحٌ بوضع الإستقالة على الطاولة “متى دعت الحاجة”.

لكن ما جرى أخيرًا، يدلّ إلى أنّ المسألة لم تعد تُحل بخروج القائد من مكتبه، بل أنّها تمرّ بشكلٍ إجباريّ من معبر “تشويه صورة قائد الجيش” وفق المنهجِ الذي أُرسِيَ خلال الأيام الماضية.

صحيحٌ، أنّ قائد الجيش طُلِبَ منه فتح الطرقات، لكنه في المقابل طلب تفويضًا صريحًا ورسميًّا، وهذا حقّه، حتى لا يجري إنتقاد تصرفاته ووضعها لاحقًا في خانةِ “القمع”، وبالتالي تحميله المسؤولية له وحده، فمن حق الرجل أن يحميَ نفسه أيضًا.

لكن هذه الذريعة لم يجرِ تقبّلها بل أخذهم الجنوح صوب إعتبار جوزاف عون “متآمرًا” وعلى هذا النحو بدأت “شيطنة جوزاف عون”.

سريعًا، تحَرَّكت أصولٌ الكترونيّةٌ وفرقٌ من الجيوشِ المُتَنَوِّعة، وأخذت تنثر شائعات تُجمع كلّها على مبدأ واحدٍ هو تخوينُ القائدِ والذمِّ بشخصهِ، من مشاركته في اجتماعٍ بالسفارة الاميركية إلى إعتقاله وعزله والإنقلاب عليه نتيجة رفضٍ لأوامر سياسيّة!

في الوقتِ الراهن، لا يظهر أنّ تلك الغرف، التي أشارَ إليها الرئيس بري، من ذوات “الدم البارد” أو أنّها مكتومة القيد سياسيًّا. في الحقيقة هي متلونة سياسيًّا وتنطلق من مباعثِ قلقٍ يعتمدها بعض الأحزاب في تسويق ظنونها تجاه الجيش، ولو أنّها تحمل ضغائن تلامس حدود تصفية الحسابات معه.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الخطيب كان مربكاً ومتردداً… ولبنان أمام 3 خيارات

أجل الرئيس اللبناني ميشال عون الاستشارات النيابية التي كانت مقررة اليوم، إلى 16 من الشهر …