راجع و “الموتوسيكلات” راعيها..

من السّابقِ لأوانهِ الإقرار بإعادةِ تكليف رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري مهام “الطبعة الثالثة المُنَقَّحة” من “حكوماتِ العهدِ”، ولو أنّ قراءة “الكفِّ السياسيِّ” تُفصِح عن وجودِ توجّهٍ من هذا القبيل، بشهادة عودة النشاط إلى المرجعيّات كافة.

صحيحٌ، أنّ رئيس الجمهورية ميشال عون لم يقم بالدعوة بعد إلى إستشاراتٍ نيابيّةٍ مُلزِمَة لتسميةِ رئيس الحكومة العتيد، لكنه فعليًّا، تركَ فتح موسمِ الإستشارات من خلفِ الكواليس لرئيسِ مجلس النواب نبيه بري لتُشارِك في الورشة تقريبًا مختلف البيوت السياسيّة.

وسُجِّلَ في السّاعات الماضية، تواصلٌ على درجةٍ عاليةٍ من النشاطِ بين كلّ من قصر بعبدا وعين التينة وبيت الوسط، وقد شَمِلَ حارة حريك التي دخلت على خطِّ التواصل مع تحرّك “الخليلَيْن”.

وأصلاً، الإستشارات فرَضَت ركائزها من تحت أزيز “الموتوسيكلات” التي انطلقت في شوارعِ العاصمة بيروت وأطلقت “هدير اشكماناتها” دعمًا للرئيس المستقيل، وهو الأمر الذي مثّل في المقابل شارع “موتوسيكلات” ثانٍ يوازي بثقله وتأثيراته السياسيّة “موتوسيكلات المتاولة”.

وما زادَ من الاعتقاد أنّ الحريري “راجع” لا محال، ركوب أنصاره موجة التظاهرات في المناطق السُنيّة تحديدًا، ما أدّى إلى بروز تأثيراتهم عليها، خاصّة في طرابلس مع تحوير “خطابات الثورة” من جامعة تنبذ العبارات النابية والطائفيّة، إلى حفلةِ جنونٍ مذهبيٍّ شتّام لامسَ تحطيم صورة “الأيقونة الثورية”، وهو ما دفع بالقائمين على الاعتصام أمامَ الرّفض الشعبي، إلى محاولة البدءِ بترميمِ الصورة والمسار.

الوضع لم يكن أفضل على صعيد من تلقوا الشتائم بصدورهم في الجزءِ الجنوبي من بيروت. وعبثًا حاول القائمون على “الشارع الشيعي” التخفيف من وطأة الكلام بحقّ السيّد حسن نصرالله من خلال سحبِ ذرائعِ التوتر عن وسائل التواصل.

في المقابل، كان السخط ماثلاً في الشارع بعدما سادَ شعورٌ بأنّ “غزوة الموتوسيكلات راجعة”، ما دفعَ بالأجهزة الأمنية إلى التأهب والقيام بـ”مناورةٍ صامتةٍ”، أفضت إلى إغلاقِ كافة مداخل الضاحية ناحية العاصمة بصورةٍ مستترة، فيما تكفَّل الثنائي الشيعي ضبط “جبهة موتوسيكلاته”.

وهكذا مرَّ القطوع بخير وبأقلّ تكلفةٍ ممكنة. فيما يبدو أنّ الحريري نجحَ بما يريد إيصاله تحت جناحِ “الموتوسيكلات”، على أنّه المرشّح الوحيد للرئاسة وعودته مقرونة بتعديلاتٍ تمُسّ جوهر “تسوية 2016″، كما أرادَ من خروجهِ “المثير للجدل” من السرايا، شكَّلت أولى العلامات الدخول جديًا في مدارِ البحثِ حول مخرجٍ يُعيد طرح الحريري للتكليف، بحيث تولّى الوزير علي حسن خليل تسويق المخارج المُتفق عليها بالتكافل والتراضي بين مراكز الثقل السياسي الاربعة.

من الواضح، أنّ “الفريق الشيعي” يدفع بإتجاه إعادة تكليف الرئيس الحريري متجاوزًا الاعتراضات التي واكبت عملية الاستقالة. نتحدَّث هنا، عن واقعيّة سياسيّة يمتاز فيها هذا الفريق ويرفض تجاوزها ولو كانت مُرَّة، تتمثل في امتلاك الحريري لأكبرِ كتلةٍ نيابيّةٍ سُنية، وبالتالي لا يجوز تخطي رأيها في قضيّةٍ من هذا النوع.

لكن طبعًا، موافقة “الفريق الشيعي” ومعه الحلفاء في التيار الوطني الحر، ترتبط بشروطٍ مُحدّّدةٍ، أُبلِغَت إلى الحريري شخصيًّا، من أنّ الحكومة المقبلة مرفوض أن تكون “تكنوقراط” صافية، لأن الوضع في البلدِ ومن كافةِ الجوانبِ، لا يقبل حكومة من هذا النوع بل يحتاج إلى حكومة سياسيّة مشترطًا، أن تكون من غير مكتومي “القيد السياسي”. لكنهم أتاحوا الفرصة لاحتمال أن تكون “تكنو – سياسية”.

في المقابل، التيار الوطني الحر عازمٌ على تقريشِ حضورهِ في المجلس والسلطة لمكاسبٍ في الحكومة بعد التماسه “نوايا حريرية” لعزله، تحديدًا إسقاط الحرم الحكومي على الوزير جبران باسيل.

وفي وقتٍ لم يرضَ “العونيون” بانصراف باسيل إلى الشؤون النيابية، نقلَ أحد المعنيين سيناريو لـ”ليبانون ديبايت”، يقوم على قبولِ التيار خروج باسيل مقابل مكتسباتٍ يحققها على صعيدِ الحضور في الحكومة العتيدة، من حيث الأرقام والمواقع.

وكما هو الحال في كلّ مرّةٍ، فإنّ البحثَ الجاري يقوم على هندسةِ “شخصيّة” الرئيس المكلف المقبل، وتحديد سلوكياته السياسيّة منذ الآن، وبناءً على جولة المناقشات الجارية يتم إنتاج التفاهم الذي سيحكم المرحلة. وعلى ما يبدو، أنّ الأمرَ، وفقًا لما يُنقَل عن مجالسٍ سياسيّةٍ مُقرِّرَة، يحوم كلّه حول تفاهماتٍ يجري إبرامها من خلفِ الكواليسِ ستُمَهِّد لافتتاحِ ورشةِ الاستشارات النيابيّة رسميًّا.

هذه التفاهمات، تقوم وفق ما يظهر، على نفسِ قاعدة التسوية القديمة المُبرَمة عام 2016 أركان الحكم، لكن مع إضافاتٍ “جوهريّةٍ” تتَّصِل بفرزِ ضماناتٍ جديدةٍ بين الافرقاء يجري العمل على اعادة صياغتها. والمعنى، أنّ عودة الحريري مقرونة بنسخةٍ ثانيةٍ مُنَقَّحَة عن التسوية الأولى تتضمَّن بالحدِّ الادنى بنود تحفيزٍ جديدةٍ، بما يصطلح تسميته “ترميم تسوية 2016 لتصبح تسوية 2019”.

لكن وضمن هذه الظروف، يبقى أنّ الفريق السياسي يتخطى أمرًا مهمًّا لا بدّ أن يُأخذَ بعين الاعتبار، يتمثَّل بدخولِ طرفٍ مؤثرٍ ثانٍ ضمن المعادلة، يُلخَّص بالشارعِ الذي بات يعد عاملاً مقرِّرًا في مسألةِ تركيبِ السلطة التنفيذيّة.

وحتى هذه السّاعة، يتصرَّف الفريق السياسي بشكلٍ يحتقر هذا الشارع أو يتجاهله وكأنّه غير موجودٍ، وما زال يعتبر، أنّ التفويضَ الممنوح إليه عبر الانتخابات ما زال صالحًا للتطبيق!

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الجنوب مُستنفر: نصرالله يجتمع بقادة ميدانيين والحزب ينتظر الاشارة

أخطر من عملية اغتيال العالم الايراني محسن فخري زاده الذي يُعد صانع القنبلة النووية الايرانية، …