الرئيسية / الأبرز / «رسالة سوريّة» إلى باسيل

«رسالة سوريّة» إلى باسيل

لا تبدو دمشق مرتاحةً إلى تصريحات ومواقف وزير الخارجيّة جبران باسيل. من الواضح أنّ ثمّة حساسيّة إزاء طرح إسم الرّجل على مسامعٍ سوريّة، خاصّة الآن في ذروة «كفاحهِ» ضد وجود النازحين في لبنان. البعض يعتقد انّ الحساسيّة قد تتحوّل إلى مفرطة، كلّما اقتربَ رئيس التيّار الوطني الحرّ من «حدود» مواضيع جدليّة تراها دمشق لا تصلح كمواد لأحاديث علنيّة.

أساساً، النظام في دمشق لم يبنِ في أيٍ من الأوقات علاقةً سياسيّةً مستقيمة مع الوزير جبران باسيل على عكسِ المفهوم السّائد في لبنان، بل كانت مثل هذه العلاقة مدار أخذ ورد.

وفي زمن المصالحات بعد الإنسحاب السوري عام ٢٠٠٥، كان يجري تشييد العلاقة السوريّة مع ميشال عون الذي أصبحَ لاحقاً رئيساً للجمهوريّة، وليس مع باسيل. من هنا يجري التعامل مع «معاليه» سوريّاً كحالة أمر واقع وليس امتداداً عونيّاً.

هذا لا يُلغي انّه وفي مرحلةٍ ما، عملت دمشق على فتح أبوابها للوزير باسيل أملاً في «الإستثمار الطويل» بالعلاقة مع «العونيين»، وقد جنّدت للمهمّة وزير خارجيّتها وليد المعلّم الذي دشّن أكثر من لقاء «خارجي» مع باسيل. إلاّ أن العلاقة بقيت على ما هي عليه ضمن القواعد الدبلوماسيّة العادية من دونِ حصول أي تطور يذكر.

لا بل أنّ تلك اللّقاءات لم تنفع في إذابةِ الجليد، خصوصاً وانّ باسيل بقي على نفس موقفهِ وتعاملهِ ليس فقط مع النازحين، بل مع مواضيع سوريّة عديدة، وبالاضافة إلى ذلك، تجاهل مراراً دعوات سوريّة وجّهت إليه لزيارة دمشق، لا بل «بالغَ» و «زكزكَ» في عدّة امكنة، حين قرّرَ مثلاً تخفيض نفقات السفارة اللبنانيّة في دمشق عنوةً عن سائر السفارات اللبنانيّة في الخارج!

إلى جانبِ ذلك، يبدي دائماً أركان ومسؤولون سوريون انزعاجهم من طريقة مقاربة باسيل للملفات السوريّة وأوّلها النازحين، ولعلّ أكثر مرّة حملوا عليه فيها أمام زوارهم، كانت حين اقترحَ أن يجري نصب لوحة جلاء في نهر الكلب، مشابهة للوحتي جلاء القوات الأجنبية عن لُبنان عام ١٩٤٨ والإحتلال الإسرائيلي عام ٢٠٠٠!

هذه المرّة، تبدو «المواجهة الباردة غير المعلنة» بين باسيل والسوريين، مرشّحة للخوض على أكثر من صعيد وفي أكثر من مضمار، خاصة بعد تلمّس وجود «نوع من القبول السوري الرّسمي» للإجراءات التي يُحضّر سوريّون لإعلانها في بلادهم تحت يافطة «إضراب الكرامة».

ولو أنّ المستوى الرّسمي لم يُعلن ذلك، لكن تعاطيه «البارد» مع الدعوة تلك إلى حدود تجاهلها والاكتفاء بالمراقبة من بعيد، ينم عن تصرّف مقصود يرمي ربّما إلى صياغة نوع من أنواع الرسائل ووضعها فى صندوق وزير الخارجيّة اللُّبناني، على الرغم من انّ التحركّات المتوقّعة تتعامل معها السلطات بشيء من الحذر، نسبة إلى تشابه إسم الإضراب، مع الدّعوة التي روّجت قُبيل إندلاع الأزمة، في آذار عام ٢٠١١.

لكن ما لا يريد النظام النطق به علناً، تتكفّل صفحات وسائل التواصل الإجتماعي القريبة منه داخل سوريا بالتعبير عنه، حيثُ انّ الدّعوة للإضراب لمدّة ثلاثة أيّام (بدءاً من ٢٠ حزيران)، احتجاجاً على ما وصف بـ «الإجراءات القاسية من قبل الحُكومة اللّبنانية بحق النازحين، وعنصرية الشعب اللبناني في التعامل مع الشعب السوري»، نالت جزءاً يسيراً من التعليقات «الهابطة والمزعجة»، التي كانت في مجملها موجّهة تحديداً إلى الوزير باسيل وتيّاره السّياسي ثم اللبنانيين، ما يفرغ عن دراية سوريّة عالية بنوعيّة الخطابات المعتمدة لدى هذا الجانب داخل لبنان.

والذي له أن يزيد من نسب الإعتقاد السّائد حول إرتفاع النقمة على باسيل سوريّاً، نمو تصور لدى زوار دائمين إلى دمشق أنّ الحراك الإضرابي المفترض، قد يكون بقصد تمرير رسالة إعتراض سياسيّة إلى باسيل ومرجعيّته من خلفه، ولو أنها أتت بشكلٍ غير مباشر، وقد تكون حضرت من باب تنبيهه، بعدما لوحظَ ارتفاع منسوب الخطاب العدائي تجاه السوريين.

وما يدفعهم إلى تبنّي نظريّة الضلوع الرّسمي في تسهيل التحرّكات، انّ أمراً من هذا القبيل لا يمكن تحقيقهُ في مناطق سيطرة الدولة السوريّة من دون تغطية أو قبول أو بالحد الأدنى علم وموافقة من قبل الأجهزة. أمر آخر يدفع باتجاه الاعتقاد انّ القصة فيها رسالة فقط، هو انّ المهلة المفترضة لبدء الإعتصام نفذت منذ ٤ أيام ولم يحصل شيء!

أيضاً تبلورَ لدى تلك الأوساط، ظن أن مشهديّة «الإضراب السّوري» التي لم تكن نموذجاً محبّذاً اللجوء إليه في سوريا، حضر بعد التّحركات والتظاهرات التي أقدمَ عليها مناصرون للتيّار الوطني الحرّ مؤخّراً، وتزامن الحدثان، وفق الرأي المُعتمد، ينقلنا للإفراج عن استنتاجات عدة لا يمكن اغفالها.

ما ينقلُ القصة إلى درجاتٍ واسعة من الإهتمام، وبالتالي يُعزز أكثر فرضيّة الرسائل ونقل الرسائل، ملاحظة تناغم محلّي ينمو لدى النّازحين، معارضون أم موالون، مع الدّعوة التي أطلقت في دمشق، ما يعني أن شرائح عريضة منهم تبدي استعداداً للمشاركة، بخاصّة وأنها شديدة التأثر بتلك الدعوات التي تُحاكي «اوجاعهم» عبر مواقع التواصل، وهو ما سجل في مناطقٍ عدّة كبيروت والجنوب والبقاع مثلاً.

 

 

 

 

 

 

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

اختصاصيون لبنانيون أعدوا خطة إنقاذية.. مساعدة مشروطة ومهمتان للحكومة المقبلة

تحت عنوان “الإفقار المتفشي في لبنان يشكّل مزيجاً متفجراً”، أدانت مجموعة من الاقتصاديين والأساتذة الجامعيين والاختصاصيين اللبنانيين …