لعنة الطائفة!

صَادِمٌ ما شهدته شوارع الطائفة الشيعيّة! أكثرُ المتشائمين لم يكن ليتصوَّر أنّ شبّان هذا الشارع سينفضون عن أجسادهم غبار الخوف المُترَاكم سِنيَّ عمرهم ذات “تشرين” ويكسرون حاجز الصمت ليسمّوا الاشياء بأسمائها. إنها المرّة الاولى التي يُعلِن فيها أبناء الطائفة الثورة على الذات، بل على بعض الخصائص السياسيّة التي غدَت بالنسبة إليهم لعنات، بل لعنة الطائفة بأسرها.

ليس بالشيءِ الهيِّن ما حدثَ في شوارعِ الطائفة الشيعيّة. في صور تحديدًا، كان شبابها من المُبادِرين إلى هبوبِ رياح “ثورة 17 أكتوبر”.

المواجهة المُعَمَّدة بالدماءِ باتَت “مَضرب مثلٍ”، “بشو صور احسن منّا”، ردَّدها أهالي طرابلس قبل أن ينزلوا إلى السّاحات، هؤلاء الاخرين، تحدّوا محدوديّة تفكير رجال الدين الذين كان كلّ همهم ليس تحسين حياة قومهم بل احصاء الأفعال المنافية للحشمة!

طوائفٌ كثيرةٌ انتفَضَ أبناؤها على واقعهم وأعلنوا الخروج عن حزبيّاتهم ومن مذهبيّاتهم، الشيعة استثناء، هؤلاء الذين كانوا مُحَاطين بجدرانٍ سميكةٍ مِن ما يسمَّى “المناعة السياسيّة” التي جعلتهم لأعوامٍ يَقبَعون خلف قضبانِ سجونِ الصّمتِ لا يقوون على ذكرِ فسادٍ يرونه بأمِّ العينِ وهم مجبرون على السّكوت عنه خشية على “وحدة الطائفة” والمصالح الاستراتيجيّة التي تفوق كلّ الاعتبارات.

وتحت شعار المقاومة صمَت هؤلاء، صمتوا إيمانًا منهم بهذا الشيء النبيل الذي اكتسبوه بعرقِ جبينهم، والأكيد أنّهم ليسوا في واردِ التخلّي عنه، لا الآن ولا حتى غدًا. لكنّ المشكلة الكارثة، أنّ ثمّة من تسلَّق أكتافهم تحت إسمِ مقاومة ليمدّ يده على حقوقهم، أو يحكمهم بأمرٍ واقعٍ إسمه: “الوحدة أو خراب البصرة”! فذاعَ صيته، وكنّا كلما حدثناه عن أوجاعنا وتكاثر واستغلال أفراده للمكتسبات، حدثنا هو عن وحدة الطائفة والأضرار المترتبة عن سقوطها، وكأنه يريد إبتزازنا بشيءٍ نبيلٍ، الوحدة مقابل الانتقاد!

تحت شعار المقاومة تسلَّق على أكتافنا، وأصحاب المقاومة الفعليون، الذين كانوا يقدِّمون الدماء، صمتوا عن تناول تسلّقه، صمتوا عن تصرفاته، وسكتوا عن السمسرات والاستحواذ وظهور الثراء الفاحش وحلول زمن لا يفرق عن زمن الإقطاع كثيرًا. سكتوا عن كل شيء، سكتوا أيضًا عن وضعِ اليدِ على حقوق الطائفة السياسيّة تحت شعار “الخشية من شقها” أي الطائفة، وبتنا نحن أسرى عدم الحديث.

تحت هذه الراية، انبرى ذك الفريق إلى نهشِ الجسدِ، من خلال الأصحاب والأزلام، لتنقش الطائفة علامة على خطِّ الفقر، وتذهب الوظائف والمغانم إلى جيوب الحواشي والأزلام، وليذهب عامّة الشعب إلى خبرِ كان، وعمرهم ما يرجعوا.. إنّه الخوف على الطائفة الذي تحوَّل إلى لعنةٍ، لعنةٌ من النوعِ السمجِ جدًّا، لعنة جعلتنا نصمت ونخرس عن كل التجاوزات، وكنّا حين نبوح بكلمةٍ تنزل علينا آيات النصح خشية عليها!

لكن اليوم تغيَّر كلّ شيء، تغيَّرنا يا سادة، وبفضل تلك السياسات اقتحمنا الشوارع، وخرج شبان الطائفة إلى الشوارع، يقولون للسيد: “نحن نحبك، نريدك، ولكننا نريد العيش، فاطرد يا سيد باعت الدين من الهيكل”.

لقد أشار الشبان، في صور وغير صور، إلى الجهة التي توجعنا وتوجعهم، إنها الحركة التي تنعم بذكر المحرومين وتدهسهم في الشوارع، وتمضي إلى التأسيس لنسخةٍ ثانيةٍ من “واقعة الجمل”. جهّة نتألَّم منها، نتألَّم من احتكارها واستحواذها، جهّة تكفِّر كلّ طرفٍ لا يُشارِكها الرأي، جهة تعتبرنا عملاء كما قال النائب علي خريس، لماذا؟ لاننا قلنا لهم “حلو عنا” كبيرة.

في صور، والشوارع كلها، قلنا لهم دعوا المقاومة وشأنها، اتركوها، دعوا حزب الله من السنتكم، اخرجوه خارج اللعبة، اتركوه في ميدانه الاول، ميدان المقاومة، أخرجوه من السياسة، أخرجوه كلمة ضرورية، كي لا تبقوا تتظللون به وتمارسون فنّ السلطة من خلف ظهره و تريدونه مرغمًا أن يحمي تصرّفاتكم تحت حجة “وحدة الطائفة”.. إنها لعنة الطائفة يا إخوان.

ما جرى في الشوارع، كان للشيعة حصة فيه، حصة كبيرة جدًا، حصة يُعوّل عليها. لقد كسروا حاجز الصمت بذكر الاعتراض على رئيس مجلس النواب نبيه بري وفنون حركة أمل السياسية! لا يأتي أحد ليحدثنا عن مؤامرة، الاتهام المزمن الذي يلقى دائمًا بوجه كلّ من يريد الخلاص من واقعه، إنتهى، شهد السيد حسن نصرالله بنفسه لهذه التظاهرات بأنها منزوعة قدرات السفارات وغير محرّكة منهم.

في الطائفة الشيعيّة، نحن بأمسّ الحاجة إلى إعادة النظر وإجراء دراسة حول الأسباب التي دفعت بغالبية شباب الطائفة إلى الشارع، لتكن “نفضة” أو “محاسبة ذات” قبل أن يطيح السيل الهادر بكل شيء، علينا أن نسأل، لماذا كل الغضب من الواقع الذي أفرزته سياسات حركة أمل؟ ولماذا هذا التعامل العدائي من قبل شباب الطائفة معها تحديدًا؟ ألَيس بسببِ سياساتها المُمْتدَّة منذ 30 عامًا وحتى اليوم؟

ثم لماذا تتصرَّف الحركة مع التظاهرات على أنّها بمثابة “شيء مؤامراتي” بحاجةٍ إلى الاستقواءِ بالسلاحِ من أجل فرضِ منعه بالقوة؟ لماذا لا يُحِسن هؤلاء التعامل مع التجاربِ؟ لماذا لا يخشَوْن من “هبة شيعيّة”؟ عليهم ذلك، لأنّ “موقعة الجمل المصرية” ابسط مثال على نتائج التسلّط في الشارع!

قضية التعامل الدموي مع متظاهري “صور” تشدّه على أكثر من قراءةٍ. مما لا شك فيه، أنّها شكلت صدمة داخل صفوف حركة أمل نفسها. بعض اوساطها تتحدَّث عن “تصرّفٍ طائشٍ” يقف خلف المسؤولية عنه “مسؤول طائش”، كالطائش الذي يُحرِّك بعض النشطاء الحركيين على “تويتر” في السبِّ والشتمِ والتخوين و”خرق الصف”. تبريرٌ لا يعفي الحركة من تحمِّل المسؤولية، إنها حركة الإمام الصدر، الذي ولو كان بيننا لكان تزعّم حركات الاحتجاج.

المحاسبة أقلّ الايمان. قالت الحركة إنها ستحقّق وتحاسب. حسنًا، هذا يفرج عن أكثر من سؤال، وسط تعاظم الحديث عن خروج مسؤولين عن الشور التنظيمي والتصرف من رأسهم ومن خارج الأصول، والحديث عن “صراعِ اجنحةٍ” تشهدها الحركة منذ مدَّة ولم يعد من الصالح إخفاء معالمه أو إنكاره.

الصحيح، أنّ ما جرى في صور ورطة، ورطة بكلّ ما للكلمة من معنى. ورطة لحركة أمل، وورطة للشارع الشيعي، وورطة لحزب الله الذي لم يجد الحلّ في صور سوى بإجراءِ اتصالاتِ التهدئة لاحتواءِ التوتر والترهيب اللذين خيَّما على المدينة، وبادر إلى كبحِ جماحِ ما يفتعله بعض “المسائيل الطائشين”، الذين لم يجدوا إلّا “تمثال الخامنئي” عند دوار العباسية للانتقام منه!

 

 

 

 

 

 

 

 

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

“دواء سرطان لعلاج كورونا”.. شركة إسبانية تعلن نتائج الاختبار

قالت شركة “فارما مار” الإسبانية، الثلاثاء، إن دراسة علمية محكمة نشرت في مجلة “جورنال سينس”، …