“مذكرة إحضار” بحق الحريري!

إذًا.. دخلت البلاد في جمودٍ، وعبرها تبدو قصّة الحكومة “طويلة” أو “مطولة” خصوصًا أنّ الأزمة لا تدور اليوم على منطق الأسماء إنّما التوازنات، وهذا الخللُ هو ما يُعطِّل البلد فعليًّا.

من الطبيعي، أنّ أزمةً من هذا النوع، تأخذ في العادة وقتًا طويلًا للمعالجة، ومن الواضحِ، أن الحلَّ لا يقوم في مثل هذه الحالات بالاستناد إلى تسويةٍ ما بل على منطق رابح – خاسر، أي خاسر يتنازل عن جزءٍ من أوراقه السياسيّة ورابح يأخذ قسمًا منها ليُعزِّز أوراقه السياسيّة بها. وطالما أنّ هذا المنطق لا يسود حاليًا، فإنّ الاحتكام إلى نظرية “مطولة” هو الخيارُ!

في عبارةٍ أوضَح، الاشتباك السياسي الحاصل اليوم عند مقلعِ الحكومة، يهدف في درجةٍ أساسيّةٍ إلى إعادة صياغة قواعد الحكم الجديدة في البلاد، أي مختلفة عن طبيعة تركيبة مجلس النواب إن لم نقل معاكسة لها، وبالتالي لا بد لتلك القواعد الجديدة من أن تعكسها تركيبة حكومية مختلفة من ناحية الأوزان والتوازنات.

في الواقع، أنّه ومنذ أُسقِطَ إقتراح إسم الوزير السّابق محمد الصفدي كمرشّحٍ لرئاسة الحكومة الجديدة “المختلفة”، تمركز الجميع في وضعية “مكانك راوح” كأنهم سلّموا بأنّ المرحلة اليوم ليست مرحلة أسماء بل مشاريع سياسيّة تُغَربَل على قدمٍ وساق.

ويبدو، أنّ زمنَ ما بعد إسقاط إسم الصفدي ليس كما قبله مع اتّضاحِ وجودِ رغباتٍ سياسيّةٍ لدى الحريري من خلفِ تلك المحاولة، تقوم على إبعادِ شتّى “صنوف” المنافسين الحقيقيين عن “حلبة السرايا” ليصبح الجميع أمام واقع مفاده:”الحريري أو لا أحد”.

في الحقيقة، أدركَ سعد الحريري من خلال قراءته لتراكماتِ مرحلةِ تشكيل حكومته الثالثة (المستقيلة) وتلك التي تمخَّضَت عن مباحثاتِ ما بعد الاستقالة، أنّ لدى الطرف الآخر “أرانب” (أسماء) يستطيع متى يشاء إخراج الإسم من “البرنيطة” ووضعه على طاولة المباحثات. ووفق اعتقاده، تتراوح بين محاولة ابتزازه في موقعه، أو من أجل جعله يظن لا بل يتأكد أنّ ما من أحدٍ يتمسَّك به في الرئاسة!

ومن الواضح، أنّ الحريري، أوحَى إلى جالسيه “الخليلين”، أنه يقبل بخيار الصفدي رئيسًا وهو في سبيل ذلك مستعدٌ لتأمين الغطاء السنيّ له، بدءًا من دار الفتوى وصولاً إلى موقف “لقاء رؤساء الحكومات السابقين”، لكن وعند وضع الحالة على مقاصة الاختيار، “كشّر” الحريري عن أنيابه ووجه إليه الضربة الثلاثية فأسقطه!

وغالب الظن، أنّ الحريري لن يكتفي بمحاولةٍ واحدةٍ فقط. في الدرجِ، هناك أسماءٌ كثيرةٌ بحاجةٍ إلى علاجٍ مماثلٍ، يبدو أنّ أحدثها السفير اللبناني لدى الأمم المتحدة نوّاف سلام، الذي جرى رمي إسمه على المياه الراكدة، ربما لـ”فحصه”. والغريب، أنّ الحريري هو من رمى الإسم بعدما سقط عن بالِ “الثنائي الشيعي” بضربة حملة تويترية وضعت المرشح في الكنفِ الأميركي!

لذا يبدو وبحكم التجربة، أنّ “ريموت كونترول” تحديد الأسماء البديلة واختيارها، أضحى بيد الحريري وحده، الذي يظهر أنّه دخلَ في مقامرة يراهن من خلالها على إسقاطِ جميع الأسماءِ المرشَّحة حتى يعود هو أقوى كخيارٍ وحيدٍ.

وعلى الأرجح، إنّ هذا النهج يصبّ في خانةِ التوجهات والوعود الاميركيّة التي تلقاها الحريري مؤخرًا، ومن بينها الحثّ على التحمّل والانتظار متموضِعًا في موقعهِ الحالي، بين الـ”نعم” والـ”لا”، وكأنّه “حارس هيكل الرئاسة”، من جهةٍ يحرص على منعِ الدخول إليه ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، يُحاذِر على دخوله. وفي إعتمادِ هذه الوضعيّة تقطيعٌ للوقتِ، قد يصلح لاحقًا لاعتماده كخطِّ عودةٍ بعد أشهرِ، حين تكون التظاهرات قد خفتت والأحوال السياسيّة قد نضجت!

لكن وما دامَ الأمر كذلك، لماذا يتموضع “الثنائي الشيعي” ومعه التيّار الوطني الحر، في خانة “الحريري أو لا أحد”، ويصدر هؤلاء في كلِّ مرّةٍ “مذكَّرة جلبٍ” تُحضِره إلى غرفة “التسوية الرئاسية”..؟.

في الحقيقة، يعتقد “الثنائي الشيعي” مع “التيّار”، أنّ سعد الحريري في “التسوية” غير سعد الحريري خارج التسوية. بحجّة، أنهم كفريق سياسي، يستطيعون ضبط موقف الحريري السياسي تحت سقفِ التسوية بشكلٍ لا غبار عليه ووجوده ضمن هذه الدائرة يجبره على اعتمادِ موقعٍ سياسيٍّ “ليِّن” في الكثير من الأخذ والردّ ثم يؤدي إلى التخفيفِ من جنوحهِ صوب التشدّد مع السياسيين، والاهم.

كما يستطيعون عند الحاجة، إصدار مذكرات الجلب والامتثال إلى الواقعية السياسية المحكومة بقوة التسوية.

وفي اعتقادهما، أنّ الجالسَ في رحال السلطة غير المُتَموضِعِ خارجها. أضف إلى ذلك، أنّ ملذّات السلطة تكفل في الكثير من الحالات الركون نحو الحلول الليّنة سعيًا خلف المصلحة الضروري وجودها لتصريفِ الأعمال، وبالتالي يصبح العناد والتصعيد أمرًا لا يُعتد به.

في المقابل، فإنّ تركَ الحريري يخرج من بوابة الحكم لمصلحة شخصٍ آخر حتى ولو كان هو مصدرُ تسميته سيجعله في حلٍ من أيّ إتفاقٍ سياسيٍّ مُبرَم معه ويجعله حرًّا أكثر في خياراته السياسيّة من خارجِ أي التزامات، وقد يعرِّضه إلى هبوبِ رياحٍ سياسيّةٍ نشطة تؤثر على موقفه وتقوده إلى التشدّدِ، تقريبًا كما يحدث الآن، ما قد يحوِّله إلى ندٍّ لا شريك وتصبح إمكانية النقاشِ السياسيِّ معه صعبة.

وفي أيّ حال، فإنّ الخيار لدى “الثنائي” و”العهد”، هو في إعادة التوازن في العلاقة مع الحريري وفهمه وتحمّله ومنعه من العبور الى خانة مختلفة، والتشدّد في تسميته لرئاسة نسخة حكومية “منقحة”.

علاء الخوري – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

صمت رسمي.. هذه معضلة “اسرائيل” وخياراتها بإنجاح التفاوض مع لبنان وإفشاله

أنهى وفدا التفاوض، اللبناني والإسرائيلي، أمس، جولتهما الثانية من المفاوضات (غير) المباشرة، المحصورة بإيجاد حلول …