من الفندق الى السجن: “عمالة” الفاخوري لم تسقط بمرور الزمن

كشف المسار الذي سيسلكه ملف بحجم عمالة عامر الفاخوري الاسلوب الذي ستتعاطى به الدولة “الواعية والعميقة” مع أحدِ أكثر الملفات حساسيّة وخطورة المرتبطة بالصراع مع العدو الاسرائيلي. والأهمّ، أنّه فَضَحَ بالأساس “ركاكة” القوانين في التعاطي مع حالات العمالة النافرة!

حتى اللحظة، لا تزال العديد من القطبِ المخفيةِ تتحكَّم بقضية “عميل اكسترا” قدِّمَت له، مثله مثل غيره من العملاء ممن سبقه الى بيروت، ضمانات بالعودة “الآمنة”، قضائية بحكم اسقاط الأحكام بمرور الزمن وأمنية بحكم قرار “التشطيب” في البرقية 303 المغطّى بقرارٍ سياسيٍّ قضائيٍّ، ليتبيَّن لاحقًا، أنّ التوافق السياسي المطلوب لحالاتٍ “فاضحةٍ” من هذا النوع لم يكن مؤمّنًا.

وهنا تفيد المعطيات، أنّ جميع من عادوا من الخارج، وبعضهم في طور المحاولة، قد تواصلوا مع جهّاتٍ نافذةٍ في العهد كانوا يحاولون من خلالها “الاستقصاء” عن وضعهم لتبيان احتمالات العودة من عدمها.

في مقدمة نشرة أخبار “المنار” مساء الأحد، ربط حزب الله للمرّة الاولى منذ انكشاف القضية أمام الرأي العام بين العقوبات الاميركيّة وملف الفاخوري، محذّرًا، “من مخططِ واشنطن لتخريب البلد، بالضغوط أو بإرسال عملاءٍ عريقين في الاجرام بشهادة حسن سلوك أميركية”، مؤكدًا على لسان رئيس المجلس التنفيذي في الحزب، أنّ “العميل المجرَّب الذي عمل مع الإسرائيليين لأربعين عامًا، ما زال يحمل جواز السفر الاسرائيلي”، وهي واحدةٌ من النقاط التي لم تقدَّم أجوبة رسمية حاسمة عليها بعد، بما في ذلك عمله مع جهاز الاستخبارات الاسرائيلي بعد انتقاله عام 1998 الى داخل فلسطين المحتلة.

مصادر مطلعة، تفيد في هذا السّياق، أنّ حزب الله يجهد أكثر على خطّ أن تأخذ القضية مداها اللازم في أروقة القضاء بعيدًا من منطق السجالات، على أن يشكِّل حكم القضاء العسكري نموذجًا في التعاطي مع هكذا نوعٍ من الملفات الامنية والوطنية الحسّاسة.

بدء قاضي التحقيق العسكري نجاة أبو شقرا اليوم استجواب آمر سجن الخيام السّابق والمسؤول الابرز في جيش لبنان الجنوبي عامر الفاخوري، بالتزامن مع تحرّك ضحايا معتقل الخيام للضغط من أجل إعادة محاكمته ثم محاسبته على “جرائم الحرب” التي ارتكبها، لم يحجب الأساس في قضية لن نجِد بالتأكيد مسؤولٍ واحدٍ في الدولة، أكان سياسيًّا أو أمنيًّا، ليكشف “حقيقتها” بالكامل… تمامًا كما الغالبية العظمى من الملفات التي تفتح على مصراعيها ثم “تطمر” بسحرِ ساحرٍ!

الأساس في القضية، معرفة هوية المحفِّز على عودة عميل “الدرجة الأولى” الذي اقنع أنّ دخوله الاراضي اللبنانية من مطار بيروت يشبه دخول من سبقه ممَّن سقطت الأحكام القضائية بحقهم وشطبوا عن البرقية 303، وقطبة “شيطنة” قيادة الجيش ومديرية المخابرات وتحميلهما جزءًا من المسؤولية، وهو الامر الذي ظهرَ من خلال سيناريو سخيفٍ وتافهٍ رَبَط بين صورة قائد الجيش في واشنطن مع العميل الفاخوري ودسّ صورة مدير المخابرات باعتباره “العميد” الذي رافق الفاخوري الى الامن العام، وصولاً الى الايحاء بأنّ عملية الشطب عن البرقية 303 “تنظّف سجل العملاء”!

أما لجهة دور العميد ا.ي، فتفيد مصادر موثوقة، بأنّ مبادرته أتت ضمن إطار محضٍ شخصيٍّ بدافع القربة وغير مرتبطٍ بأي أمرٍ من القيادة.

لا شكّ، بأنّ العهد الحالي، بطاقمه الحاكم، يحمل لواء عودة “المبعدين” من اسرائيل، أكانوا داخل الاراضي المحتلة أو في الخارج.

وبالتأكيد من يوجب عليه أن يَمنح تفسيرًا لما حصل منذ الرابع من أيلول، تاريخ وصول الفاخوري الى مطار بيروت، هي السلطة السياسية وليس قيادة الجيش التي لا غبار على المنحى الذي اتخذته عبر مديرية المخابرات في شطب المئات، وعلى مراحل، من البرقية 303 بناء على قرارات سياسية قضائية واضحة، بحيث لا يلغي الشطب أصلاً التدقيق والتحقيق الأمني بعد العودة تمهيدًا لقيام القضاء بواجباته لاحقًا. وهذا ما كان يفترض أن يحصل أصلاً مع العميل العائد الذي قضى بضعة أيام في فندقٍ معروفٍ في الضبية ولم يتوجّه الى بلدته جديدة مرجعيون، لكن “الإثارة” الامنية الاعلامية سَبَقت مذكّرة بالصراع “الكلاسيكي” بين الاجهزة!

البرقية المنقولة أو البرقية 303 هو رقم صادر عن قيادة الجيش العام 2003، يتعلّق بمستند يتمّ عبره تعميم أو شطب أو تعديل أو إضافة معلومات عن الاشخاص المطلوبين، وقد جاء بمثابة “تنقيح” لبرقية منقولة سابقًا صادرة عام 1996 لتضيف اليها جرائم تمسّ أمن الدولة، وفي حينه كانت مغطاة قضائيَّا بقرارٍ من النيابة العامة التمييزية ومنع من اسقاطها بمرور الزمن العشري، كونها تندرج تحت خانة بلاغ بحث وتحري أو بلاغ اخضاع. وقد أتت هذه التغطية من النيابة العامة التمييزية تحت رقم 52 لمنع هذا الاسقاط لضرورات الامن القومي.

لاحقاً، صدر قرارٌ عن مجلس الوزراء في تموز عام 2014، تضمَّن الموافقة على الغاء حميع وثائق الاتصال ولوائح الاخضاع الصادرة حتى تاريخ 24-7-2014 عن الاجهزة العسكرية والامنية وتكليف وزراء الدفاع والداخلية والعدل اقتراح مشروع تنظيم يتعلق بالاجراءات التنفيذية، وتلاه قرار النائب العام التمييزي القاضي سمير حمود بإلغاء بلاغات البحث والتحري المعمّمة استنادًا الى وثائق الاتصال (تصدرها مديرية المخابرات) والاخضاع (يصدرها الامن العام)، تحت الرقم 62، بما في ذلك وثائق متعلقة بالعمالة أو الارهاب، وحصر هذه المهمّة بالقضاء فقط، ما يحول دون اتخاذ اي إجراء بالتوقيف من قبل الاجهزة بناء على هذه الوثائق.

وفيما بقيت وثائق الاتصال الصادرة عن وزارة الدفاع ترِد الى الاجهزة الامنية التابعة لوزارة الداخلية، راسل وزير الداخلية آنذاك نهاد المنشوق وزارة الدفاع في ايلول 2015 طالبًا اتخاذ “ما ترونه مناسبًا لجهة وثائق الاتصال الصادرة قبل 24-7-2014 ووقف ارسال وثائق جديدة ما عدا تلك المتعلقة بتهمة التعامل مع اسرائيل والارهاب المثبتة قضائيًّا”.

من جهتها، قامت مديرية المخابرات على دفعات بداية العام 2017، التزامًا بما ورد في قرار مجلس الوزراء وقرار النائب العام التمييزي والمجلس الاعلى للدفاع (تبويب وثائق الاتصال وتحديد أطرها)، بشطب أسماء عملاء خارج اسرائيل عن بلاغ التقصي 303 بناء على شروط معينة حدّدتها، على ان يتقدّموا لدى عودتهم الى لبنان من مديرية المخابرات لتعبئة استمارة أمنية لهم، مع ترك الشق القضائي المتعلق بهم في حال وجوده على عاتق القضاء المختص. جرى ذلك تحت غطاء سياسي وقضائي، ومن بين المشطوبين عامر الفاخوري بموجب المعايير المحدّدة استنادًا الى المعطيات الامنية التي كانت متوافرة آنذاك لدى المخابرات.

وقد تبيّن، أنّ من بين المتهمين بالعمالة من صدر أحكام قضائية بحقهم تراوحت بين سنتين حتى 15 سنة، كما في حالة عامر الفاخوري الذي حُكم 15 عامًا مع الأشغال الشاقة من قبل المحكمة العسكرية بتهمة إجراء الاتصال مع العدو الاسرئيلي وعملائه، ثم اسقطت المحكمة الملاحقة عنه في آب 2018 بعد مرور أكثر من عشر سنوات على الحكم. او أحكام بالسجن المؤبد والتجريد من الحقوق المدنية واحكام بالاعدام (هؤلاء لم تشطب اسماءهم عن البرقية والمئات منهم يقطنون في اسرائيل)، كما في حالة سلام الفاخوري الذي عيّن آمراً لسجن الخيام بين 1998 و2000.

ورغم كل القيود التي فرضت لازالة هذا التدبير، ومع عدم تشكيل اللجنة التي نصّ عليها قرار مجلس الوزراء عام 2014، بقيت مديرية المخابرات محتاطة أمنيًا، بحيث أبقت المتابعة الامنية لهؤلاء العملاء بعد العودة، إذ تم اعتماد آلية تتعلق بتصنيف من يمكن شطبهم ولاحقًا متابعتهم أمنيًّا بعد العودة. وهذا ما حصل عمليًّا مع العديد من العائدين مؤخرًا من دون ضجة حيث تمّ مواكبتهم أمنيًّا باستمارات أُعِدَّت لهم ومن ثم حُوِّلَت ملفاتهم الى القضاء.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

بالوثائق… لبنان يتفوق على إسرائيل في الترسيم

بعد نحو شهر على انطلاق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل، أطل وزير الطاقة الإسرائيلي …