“هروب” الحريري ممنوع!

مهما كان شكل الحكومة وعددها أو هوية رئيسها ثمّة مسلّمة بات الجميع يتصرَّف على أساسها: حكومة ما بعد “الثورة” لن تضمّ أيًا من الوجوهِ السياسيّةِ التقليديّةِ التي طبعت الحكومات السّابقة تحديدًا بعد العام 2005. لا علي حسن خليل ولا جبران باسيل ولا علي حسن خليل ولا جمال الجراح ولا يوسف فنيانوس ولا وائل ابو فاعور… وغيرهم.

لكن ما وراء ذلك هو الاهمّ. لا بلوكات سياسيّة نافرة بعد اليوم كتلك التي طبعت حكومات ما بعد “الطائف”. ميني انقلاب على “التركيبة الحاكمة”؟ ربّما. المؤكَّد، أنّ الفريق الوزاري وليد “الانتفاضة الشعبيّة” لن يشبه في الشّكلِ التركيبات الحكوميّة السّابقة، لكن في المضمون تكمن المشكلة كلّها: من سيمتلك القرار السياسي في “حكومةِ الشارعِ” وتحديدًا داخل تركيبة ستمزج للمرّة الاولى بين وزراءٍ جُدد لهم مرجعيّاتهم السياسيّة، ومعظمهم سيكون من أهلِ الاختصاصِ، وآخرين من الخارجين تمامًا من عباءةِ الزعامات؟!

ما يمكن التسليم به بعد 13 يومًا على استقالةِ الرئيس سعد الحريري، أنّ “حكومة التكنوقراط”، الخالية من الانتماءات السياسيّة، ليست سوى “مزحة” اطلقها الحريري لعلمه أنها ستُرفَض أصلًا ما يعطيه مشروعيّة الانسحابِ من “الميدانِ”، وأنّ قبل خصومه يكون قد لاقى الشارع، كما يرغب، الى منتصفِ الطريقِ.

لم تتوقف حتى الآن جولات اللّوم ضدّ الحريري لإقدامه على استقالةٍ لم تكن على جدولِ أعمالِ أهل القرار حتى عشيّة القرار الكبير في 29 تشرين الاول. لكن العتب تجاوز الاستقالة بعينها الى حدِّ توجيهِ أصابعِ الاتهام للحريري بـ”الهروبِ من تحمّلِ المسؤوليات” مع استمرارِ الضغطِ لثنيه عن إدارة الظهر لأزمةٍ يتحمَّل فريقه السياسي منذ عام 92 حتى اليوم الجزء الاكبر منها.

وكان لافتًا، استباق أمين عام حزب الله لهذا السيناريو من خلال خطابهِ الاول بعد اندلاعِ الانتفاضةِ الشعبيّةِ بيَومَيْن، وقبل عشرة أيّامٍ على تقديمِ الحريري استقالته، بتحذيره من “التنصّل من المسؤوليات والقاء التبعات على الآخرين من خلال الاستقالة أو ركوب الموجة”، مُشدِّدًا على أنّ “بعض القيادات والقوى تتصرَّف هكذا. كلّنا يجب أن نتحمَّل ونقبل المسؤولية ومن المعيبِ، أن يتنصَّلَ أحدٌ من مسؤوليّته وخصوصًا من شاركوا في كلّ الحكومات السّابقة”، وهو الموقفُ الذي تبنّاه حرفيًّا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

نداءُ الضاحيةِ لم يجد صداه في بيت الوسط. فإذ بالاستقالة تتحوَّل بحدِّ ذاتها الى منعطفِ طريقٍ لكافة القوى السياسيّة على رأسها حزب الله السّاعي الى تشكيلِ حكومةٍ جديدةٍ برئاسة الحريري لا تكشفه داخليًّا وتؤمِّن مواكبة الشارع من خلال فريقٍ حكوميٍّ لا يرتدّ عليه وعلى التسوية السياسيّة التي كان الحزب أحد أبرز صانعيها.

ينقل قريبون من حزب الله في هذا السّياق قولهم، إن “تأمَّنَ قيام حكومةٍ سياسيّةٍ مُطَعَّمةٍ بوجوهٍ من المجتمعِ المدني، فإنّ الحزب قد يكسر في المرحلة المقبلة بعض “التابوهات” التي منعته من تسمية بعض الاشياء بأسمائها في المرحلةِ السابقةِ”.

بهذا المعنى، لا يزال التمسّك ببقاءِ الحريري رئيسًا للحكومة يواكب باتصالاتٍ ونقاشاتٍ داخليّةٍ تحاول تأمين تمثيلٍ للقوى السياسيّة داخل الحكومة المقبلة، وإن بوجوهٍ جديدةٍ أو غير نافرةٍ أو من أصحابِ الاختصاصِ، تشكّل امتدادًا للغطاءِ السياسي الذي كانت تؤمِّنه الحكومة السّابقة، أقلّه لناحيةِ ربطِ النزاعِ مع الحزب الى جانبِ الملفِّ المالي والاقتصادي وملفيّ النازحين والعلاقة مع سوريا.

الشريكان الفعليّان في معادلةِ الاستقرار السياسي والامني، تيار المستقبل وحزب الله، أمام مواجهةٍ حقيقيّةٍ تفسِّر عمليًّا أسباب التأخير المُقلقِ في عدمِ دعوة رئيس الجمهورية حتى الآن للاستشارات النيابيّة لتكليفِ رئيس الحكومة، وتجعل من جلسةِ بيت الوسط بين الحريري والوزير علي حسن خليل ومعاون أمين عام حزب الله السيّد حسين خليل تخرج بصفرِ نتيجةٍ بسببِ التعنّتِ المتبادلِ في المواقفِ في ظلِّ تمسّكِ الحريري بتركيبة تكنوقراط لا مكان فيها، على سبيل المثال، لوزيرٍ حتى على شاكلةِ وزير الصحة جميل جبق!

وفي ظلّ دعوةٍ صريحةٍ من جانبِ رئاسة الجمهورية للحريري بغية الخروج من حالةِ المراوحةِ القاتلةِ وتحديد خياره النهائي، لا يزال حزب الله على قراره بأنّ أيّ حكومةٍ لن يشكِّلها الحريري ستجلب معها أزمة “الحَرد” السنيّ ضدها وتهييج الشارع بوجهها وهو الأمرُ الذي خطَّط له الحريري فور تقديم استقالته، إضافةً الى تصويبٍ مباشرٍ من جانبِ المجتمع الدولي يُشَيطِن طاقمها الخالي من “الحلفاءِ المفتَرَضين” أيّ الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع، ما يعرِّضها لمزيدٍ من الاستهدافِ.

ويتوقَّع مراقبون، أن يركِّزَ السيّد حسن نصرالله في الخطابِ الرابع بعد اندلاعِ الثورة، على المخاطرِ التي حذَّر منها في حالِ استقالةِ الحكومة، ومساوئ التهرّب من المسؤوليات.

ويتشدَّد في التحذير من خطورة عدم الذهاب الى توليفةٍ حكوميّةٍ تجمع بين التكنوقراط والوزراء “السياسيين” لأن ذلك سيشكِّل مسًّا بالتوازنات القائمة ونسفًا لنتائجِ الانتخابات النيابيّة، مع تقديمِ مزيدٍ من الأدلة على وجودِ أدواتٍ مشبوهةٍ تحرف الحَراك عن مسارهِ.

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الضاحية في رسالتين للحريري:عد إلى قواعد التشكيل المعهودة..وتَجاوَز إدارة ترامب!

بعد التيار الوطني الحر، فرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وأخيرا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة …