لبنان

“أم كامل” فوق السراي

في آخر لقاءٍ جَمَعَ رئيس الحكومة حسان دياب بقائدِ قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان الجنرال ستيفانو دل كول، كادت “أم كامل” تقتحم الغرفة وتشاركهما الحديث والنقاش، ولولا “العيب والحياء” لكانت اختارت الجلوس في “حضن” أحدهما!

كان هدير “أم كامل” يعمّ الاجواء. على ما بدا حينها، فضّل الضابط الإيطالي تجاهل ما يحدث رغم أن “الطنين” كانَ يصم الآذان ذلك أنه إنبرى إلى الخوض في جدول أعمال الإجتماع وتفاصيل لها علاقة بمهام قواته وكأن شيئًا لم يكن. على الأرجح، استوقفه دياب مستفسرًا إذا ما كان يسمع الصوت أم لا وإذا كانت المهام المُشار إليها تشمل “تلك المحلّقة فوق” أو أنها لا تندرج ضمنها!

طبعًا، الضيف لم يجد أيّ مخرجٍ سوى تجاوز الحديثِ بتأكيد أنّ “اليونيفيل” مكلَّفة مراقبة كافة الخروقات للقرار 1701! أمرٌ محرجٌ بالفعل، فلا هو يمتلك الجواب ولا غيره. في الحقيقةِ، الذنب ليس ذنبه، “فالجو السّايب” علَّمَ “أم كامل” العربدة.

طوال ذلك اليوم كان هدير “أم كامل” مسيطرًا. لم تلتزم بـ”الحجر المنزلي” كما هو مفروضٌ. أحدٌ ما لم يتجرّأ على تسطير محضر “مخالفة” بحقها لخرقها قرار “مفرد مجوز” ما دفع رئيس الحكومة إلى إفراغِ غضبهِ “اللبق” على قائد “اليونيفيل” وتعمَّدَ إسماعه أن ما يجري غير مقبولٍ كذلك ما تقدم القوات الدولية على فعله من مراقبة انتهاكاتٍ من دون معالجتها.

على ما يبدو، وجد دياب نفسه أمام مناسبةٍ لرمي ما في جعبتهِ من معطياتٍ أمام الجنرال الإيطالي. أخبره بأنه لن يقبل تحت أي ظرفٍ أن يكون الإنتهاك الإسرائيلي مجرّد رقمٍ إضافي يوضع في أدراج الأمم المتحدة، وهو منذ الآن وصاعدًا سيعيد ترتيب أولوياته وصياغة أسلوبٍ جديدٍ لتعامل حكومته مع اعتداءاتٍ مماثلة هدفها الحدّ من الخروقات.

في كلام دياب تهديدٌ واضحٌ وإدانةٌ صريحةٌ لـ”اليونيفيل”، لكنه تركَ الباب مواربًا. هو ألمح إلى ضيفه أنه في صددِ مناقشةِ ما يجري مع مجموعة الدول المهتَمَّة بالوضع اللبناني والتي هي حكمًا على إتصالٍ مع إسرائيل. في مكانٍ آخر، ألمحَ أمام “القائد” إلى أنّه ماضٍ في درسِ “إحتمالاتٍ” للحدِّ من هذه الظاهرة، وأنّه كرئيسِ حكومة لن يذعن لهذه الانتهاكات وكأنها بمثابة أمرٍ عاديٍّ، ويجب على “اليونيفيل” أن لا تذعن ايضًا وأن لا تكتفي بالتسجيل.

زِد على ذلك، أنّ إرتفاع نسبة الخروقات الجوية وجولات “أم كامل” خلقت “نقزة” لدى رئيس الحكومة، فهو لا يستسيغ السكوت عن أفعالٍ مماثلة أو يمكن أن تمرَّ عليها الحكومة من دون تعليقٍ، خاصّة وأنّه يشكل عامل إحراجٍ لها، وما زادَ الطين بلّة ذلك أنّ التقارير الواردة إليه بمجملها سوداوية وتنذر بإحتمال أن يكون العدو يخطط لشيءٍ ما متظللًا بجائحةِ “كورونا”.

من المؤكد أنّ دل كول إستغربَ إن لم نقل صُدِمَ بما حدث وسمع. معذورٌ. تعوَّد على “التدليس والمدلسين”. لم يعهد أن أُسمِعَ هو أو غيره عبارات من هذا الوزن من مسؤول لبناني بهذا الوزن. هو تعوَّدَ على مقاربةِ أيّ حدثٍ مماثل بدبلوماسية فائقة وحرص على “حفظ مشاعر” الضيوف، وهو المعيار الذي لم يلتزم به دياب إطلاقًا..

ثم أنه لحظ التغيير على مستويَيْن، الأول إختلاف الأسلوب بين الوافد الجديد للبيت وساكنه القديم. والاختلافات الجذرية بين آخر زيارة قام بها إلى السراي والتقى خلالها دياب وبين زيارة الاسبوع المنصرم، وهذه الاخيرة يُبنى عليها الكثير.

غادرَ دل كول السراي الكبير مُحَمَّلًا برزمة رسائل، وصدمة واضحة. هناك من يقول أن معظم ما أبلغ إلى المسؤول الأممي إنطوى على تهديداتٍ لبنانية، ولكي لا نكبر الحجر دعونا نقول أبلغه بكلامٍ كبيرٍ أفضى إلى رسم الخطوط الحمراء فيما له صلة بالانتهاكات الاسرائيلية للسيادة اللبنانية على رأسها الخروقات الجوية.

الرّد لم يتأخر. حلّقت “أم كامل” في الأجواء لأكثر من 48 ساعة بعد اللقاء، إلى حدٍّ بلغ بالمعلقين اللبنانيين الى الكفر وإستدعاء نقيضها، “أم علي”، لأداء فريضة الإطلاع لو أنها ليست ممنونة وهي تشاهد حدود منزلها تُستَبَاح! لكن، ماشي الحال، نُشاهد ونسمع في النهاية لا بد وأن تتصرَّفَ “أم علي” بطريقةٍ ما، وفيما لو حصل ذلك فأوّل ما سيسقط، ورقة التوت التي تغطي عورة دولةٍ صارَ معها بالـ”MK”.

يبدو أن الرسالة قد وصلت إلى العدو من مصدرها. إختار إختبار صبر دياب أو ربما تهديداته. ماذا يستطيع أن يفعلَ “رئيس حكومة حزب الله” المتهم بأنّه يتحصَّن بـ “فائضِ قوة الحزب”؟ هنا مكمن بحث العدو.

لكن طبعًا لـ”أم كامل” عدّة مهامٍ. صحيحٌ أنّ الشوارع فارغة بفعل “كورونا”، لكن “الحزب” يعشق العمل في ظروفٍ مشابهة. تل أبيب تعلم ذلك بالضبط، وبالتالي، فإنّ كلَّ ما سعت إليه في الأيام الماضية هو مراكمة المزيد من الجهود الاستعلامية في محاولةٍ لفهم إجراءاتِ المواجهة التي تبنّاها حزب الله. ذلك يفتح نوافد أخرى، ماذا حل بالمصادر الأرضية حتى يُجبر العدو الآن على الإستعانة بطقم كامل من الجو؟

“التعبئة العامة” التي بدأها الحزب هي مصدرُ إهتمامٍ كبيرٍ للاسرائيلي. في عقلهِ الأمني، يعتقد أنّ خطة جهوزية حزب الله موضوعة مسبقًا، وهي معدَّة للحرب ضده. ما يجري في الشوارع اليوم يحسبه الإسرائيلي جيداً، ما هو إلّا “بروفا” تجري فوق ميدان ملائم يجب أن يدرسه، وما حذّر أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله سابقاً من تحول “أم كا” من مهام تجسسية إلى عمليات إغتيال حدث في جديدة يابوس… وللحديث صلة.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة