… إلى الحرب!

مرَّر رئيس مجلس النواب نبيه برّي رسالته إلى مارشال “المصارف” ​بيلينغسلي​ ضمن مضبطة اتهام طعّمها بوابل تحذيرات:”إجراءاتكم تضرّ بلبنان. لن نسير بها. لقد طفحَ الكيل”.

وفي الكيل أكثر من إشارة موجهة إلى الأميركي بالذات من مغبّة الإستمرار في نهج “الملاحقات الجزائية” التي لا تطاول حزبًا بعينه أو بيئة شعبية واحدة، بل الوضع اللبناني برمّته.

أخطر ما في الأمر، أنّ ما يتكوَّن، إن كان لدى كلّ من عين التينة وحارة حريك، يدلّ إلى أنّ مظاهر الخلل الاقتصادي الجاري ضخّها حاليًا كعوامل سلبية في الشأن اللبناني ليست مزحة، بل هي نتاج مشروع مرسوم بدقّة وعناية، أشبه بعملية حصار إقتصادي مفتعل من أزمة إقتصادية نتاج الخلل في ميزان الاقتصاد الوطني، يمكن تشبيهها بحصار إسرائيل للبنان من البحر بعيد انتهاء حرب تموز 2006.

ثم أنّ الاميركي، يدرك جيدًا، أنّ الرئيس نبيه برّي لا يغيب عنه شيء في الداخل. بحوزته أوراق ويمسك بأوراق، وقيامه كرئيس لحركة أمل بإبلاغ الكلمات أعلاه إلى بيلينغسلي، تستبطن جملة دلالات هامة تمّ قراءتها اميركيًا على أنها بمثابة تعديل في المواقف، من دبلوماسي مهادن إلى مستقوي، ينم عن تغييرات وتبدلات فيها آثار حزب الله، بمعنى أنّ برّي كان يوصل رسائل “ساخنة ذات نكهة مواجهة”.

فعليًا، ما ارادَ قوله بري، أنه وعند اشتداد الرياح، لن يكون في منأى عن حزب الله، بل سيكون متوضعًا في النقطة التي يقف فيها الحزب، ويقاتل!

ليس سرًا، أنّ ادراكًا اميركيًا تكوَّن سابقًا ولازم عقول المناهضين لحزب الله في البيت الأبيض، قامَ على فكرة “مسك الاقتصاد اللبناني من نقطة وجعه” ما جعله اداةَ حربٍ عظيمة تصلح لمواجهة الحزب بالمال لا بالسلاح أو بالجنود، وتلقائيًا سيجري تجنيد لبنانيين حينها ضمن هذا المشروع، من دون الحاجة إلى إغرائهم أو إغوائهم أو إرسال الاساطيل إليهم، يكفي “الدق بأموالهم فيرضحون”.

لذا، كان القبض على عنق الاقتصاد اللبناني “المخلول أصلاً” الهدف الرئيس والسلاح الامضى في المواجهة التي ستقض مضاجع حزب الله وتحوّله فريسة التقلبات الشعبية التي يجري الإستثمار فيها حاليًا كواحدةٍ من الأدوات “النافعة” في زيادة منسوب الضغط. لذا يجيد الأميركي التلاعب بكافة صفائح الإقتصاد اللبناني وجعلها تهتزّ على وقعِ ضربات يجري التحكم بها بـ”الريموت كونترول”.

وحقيقةً، لا يجب عزل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة عن بعضها البعض، ولا يجب أن نسهى حول انّها تتولّد بشكل منتظم وتنتقل من مستوى إلى آخر قبل التقاط الأنفاس، ما يعني أنّ ثمّة مُحرّك يجلس خلف اداة تحكّم، مهمّته إنتاج الأزمات كلّما زادَ عامل “قلّة الثقة” حول الليرة وارتفعت الحاجة إلى الدولار.

وحقيقة أخرى، أنّ ترسيخ عوامل فقدان الثقة في الإقتصاد اللبناني “الهش” هي المُسبّب الرئيس للفوضى الجارية حاليًا على كافة الصعد، وبالتالي يستفيد منها الأميركي في رفع قدرات التأزيم والضغط منتظرًا قبض مستحقّاتها لاحقًا. ولا يجب أن يغيب عن بال أحد، انّه وكلّما غَرِقَ اللبناني في عدم ثقته، إرتفعَ منسوب الضغط الأميركي عليه.

ومن يقف خلف “اختلاق الأزمات” يفهم قدرات التحكّم الهائلة التي يوفّرها الدولار في الإقتصاد اللبناني القائم بنسبة كبيرة منه على “عناية العم فرانكلين”، لذا يُصبح منطقيًا نشوء تقاطع بين محاولات الإخلال بقيمة الدولار في السوق وإشاعة ندرته، ونبات أزمات متدّرجة حول الرغيف والطحين والقمح والمواد الأولية والمحروقات والدواء، والتلاعب بالقيمة الشرائية، وانخفاض قيمة الليرة مقابل ارتفاع الدولار، وإدخال الجيش ضمن اللعبة من خلال تجويعه واقتطاع امواله تحت ذرائع النقص الحاد في الإمكانيات، وحرمانه من الملبس والمأكل بعد السلاح، وإقحام الإسكان ضمن الأزمة، والزج بالقضاء وضرب صورته، وتسخيف العسكر والأمن… كل ذلك لا يمكن أن يكون محض صدفة ابدًا، بل متقن التنفيذ ويقود حكمًا إلى تفكيك الدولة!

وثمّة اعتقاد راسخ في السياسة كلّما زادت نسب الضغط، حول أنّ الزج بهذه الأشياء دفعة واحدة يعود إلى تلازم المواقف بين حزب الله وعهد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ومتفرعاته، ما حوَّله إلى طرفٍ يستدعي تحويل لبنان برمته إلى طرفٍ، ما يبرّر اعتماد سياسات عقابية تجاهه يُحمّل هذا العهد وحده المسؤولية عنها.

وفي الاعتقاد غالبًا، أنّ ترسيخ جوانب الاضرار الاقتصادية وإدخالها في الوعي الجماعي يمكن استثماره في تحميل حزب الله والعهد تبعات كل ما يجري، وبالتالي يغدو سهلاً ضرب صورتهما الماثلة في الاذهان، وتحويل الايجابي إلى سلبي، ما يُبيح وضعهما تحت وابل الضغوطات الشعبية التي ستتكوَّن كنتيجةٍ طبيعيةٍ للإخلال بالميزان الاقتصادي والتلاعب به، فيصبح بعدها مباحًا تحميل “عهد ميشال عون” التبعات وتصويره بأنه “عهد فاشل لا يجب أن يتكرّر”، وهذا حقًا ما يجري تسويقه اليوم.

بالنسبة إلى حزب الله، الصورة واضحة. الموس وصل إلى الذقن، وأصبح لزامًا أن يدخل في صلب المواجهة قبل أن يخسر جميع المكتسبات التي حقّقها، فكان القرار بالإنجاب على دراسة ردود الفعل، الأدوات، التي سيواجه بها الغلو في مزاحمته، وبما أنّ حزب الله أعلن ذلك علنية، لذا فإنّ مسألة المواجهة جادة وستدخل في التوقيت المناسب.

والحزب قارئٌ جيدٌ للرسائل. وجد في زيارة “المارشال” وما تضمَّنته من كلامٍ سريٍّ وعلنيٍّ داخل المجالس وخارجها، بمثابة إعلان حربٍ عليه في مضاربه، لذا لن يقف متفرجًا أبدًا، بل يُمسك بين يديه جملة ردود فعل سيباشر في تنفيذها حين يدرك إكتمال الجاهزية والحضور.

ويبدو، أنّ الحزب وضع يده على قرائن كافية تدلّ إلى وجود “مسلفي خدمات” في الداخل اللبناني، من الذين أعلنوا جاهزيتهم للمشاركة في عملية الانقضاض على حزب الله من بوابة العقوبات والاقتصاد، هذا لم يعد سرًّا، بل أنّ ثمة قائمة جاهزة بأسماء هؤلاء قد يلجأ الحزب خلال فترة ما، إما الى الاعلان عنها أو تسريبها، لكي يكون اللبنانيون على إطلاع.

وعلى ما يبدو، أنّ الأميركي “أقلمَ” نفسه حيال ما يدور في الخفاء، وهو لم يبخل في تسريب أنباءٍ تدور جميعها حول وجود توجيهات لديه لرفع قيمة العقوبات حتى ولو حصل إتفاق إيراني – أميركي، إذ أنّ مسألة حزب الله من وجهة نظره منفصلة تمامًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

إيران سَتُزوّد لبنان بـ”محطتَيْن” لتأمين الطاقة الكهربائيّة؟!

كشف مسؤول إيراني رفيع من نيويورك، اليوم الجمعة، أنّ “بلاده مستمرة في تزويد لبنان بالوقود …