إنتفاضة جعجع.. ما هو سقفها والى أين ستصل؟

 لم يسبق لرئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع منذ العام 2005، أن واجه مثل هذا الحصار السياسي الذي يُفرض عليه اليوم، لذلك فهو لا يعدم وسيلة في إيجاد السبل الآيلة للخروج منه وإعادة فرض معادلات جديدة، على غرار ما فعل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عندما قلب الطاولة بوجه العهد وصهره جبران باسيل وتياره، سياسيا وأمنيا في معركة ضارية إستمرت تداعياتها أربعين يوما وخرج في نهايتها منتصرا..

يدرك جعجع أن تفاهم معراب بات حبرا على ورق، وأن الشراكة التي تم الاتفاق عليها مع التيار الوطني الحر أصبحت في خبر كان، وأن البنود العشرة التي أذيعت أمام وسائل الاعلام تلاشت بفعل الظروف الضاغطة التي يشهدها لبنان، وكل ذلك يعني أن جعجع قدم رئاسة الجمهورية الى العماد ميشال عون مجانا ومن دون أي مقابل، لا بل فإن ثمة محاولات واضحة من الوزير جبران باسيل تهدف الى قطع الطريق على القوات اللبنانية في التعيينات والمشاريع وكل ما يمكن أن تحققه من مكاسب الحكم، عبر فرض طوق عليها بات جعجع وقيادة القوات يشعران بأنه بدأ يشتد عليهما، وينعكس سلبا الشارع القواتي الذي عاد الى الغليان الذي يترجمه على مواقع التواصل الاجتماعي ضد التيار الوطني الحر، لتشهد الشبكة العنكبوتية حربا إلكترونية غير مسبوقة يخشى كثيرون من أن يكون لها تداعيات لا تحمد عقباها.

ما يضاعف من قلق جعجع، هو أن باسيل ماض في ما يعتبره القواتيون “سياسة الحصار الى حدود الالغاء”، وأن رئيس الجمهورية الذي من المفترض أن يكون الحكم بين الفريقين المسيحيين، يدعم (برأي القواتيين) كل توجهات باسيل، ويدعو كل متضرر الى التفاهم معه، وفق النكتة التي أطلقها جعجع (قوم بوس تيريز) في حين أن جعجع نفسه بدأ يجد أن الرئيس سعد الحريري بات أقرب الى باسيل نتيجة التفاهمات القائمة بينهما والتي نتجت عن التسوية الرئاسية، وأن الدلال السياسي الذي كان الحكيم يتمتع به في بيت الوسط صار من الماضي، في وقت لم يعد من تبقى في قوى 14 آذار قادر على تأمين الدعم والمساندة بفعل الضعف والتشتت الذي أصاب هذا المكوّن.

أمام هذا الواقع، إعتمد جعجع قاعدة أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، فإنتفض على جبران باسيل في هجوم سياسي ناري في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، ولم يوفر العهد من الانتقاد داعيا إياه الى أن يكون حكما بين اللبنانيين وليس طرفا، وإستكمل إنتفاضته على طاولة الحوار الاقتصادي في وجه الحريري عندما طالب باستقالة الحكومة وإستبدالها بحكومة تكنوقراط، لكن إقتراح جعجع ولد ميتا لعدة أسباب يفرضها الوضع الراهن سياسيا وأمنيا وإقتصاديا فضلا عن التهديدات الاسرائيلية، ولأن أي مس بالحكومة اليوم سيفتح المجال أمام فراغ جديد لا يمكن للبنان أن يتحمله في ظل الأزمات التي ترخي بثقلها عليه.

كما لا يخفى على أحد أن إقتراح جعجع أثار حفيظة الرئيس سعد الحريري المعني الأول بصمود حكومته وبقاءه على رأسها، خصوصا أن أي حكومة تكنوقراط تعني إقصاءه، وهو أمر لا يمكن أن يقبل به، الأمر الذي من شأنه أن يضاعف التوترات بينه وبين جعجع في حال أصر على السير بهذا السلوك مستقبلا.

إذا، ما هو سقف إنتفاضة جعجع؟، يقول مطلعون: إن جعجع لن يستطيع أن يبدل من الحالة القائمة شيئا، فهو ليس وليد جنبلاط، ولا يستطيع أن يدفع القوات الى أي مواجهة في الشارع لأسباب عدة يعرفها الجميع، كما أن إستقالة القوات من الحكومة تعني عزلها تماما عن دائرة القرار والحكم على غرار حزب الكتائب وهي بذلك تقدم هدية على طبق من فضة الى باسيل الذي سعى منذ تشكيل الحكومة الى إحراجها بهدف اخراجها، لذلك فإن بقاءها في الحكومة يبقى أفضل من حيث الحفاظ على ماء الوجه، والحضور السياسي والتأثير.

كل ذلك يشير الى أن ليس أمام جعجع سوى الإستمرار في رفع السقف السياسي في وجه باسيل والعهد، وربما في وجه رئيس الحكومة في حال لم يصل معه الى تسوية مرضية من خلال وساطة ما محلية أو إقليمية، أو إنتظار تبدل ظروف إقليمية يمكن أن يكون لها إنعكاسات على لبنان وعلى بعض التيارات السياسية فيه.

غسان ريفي – سفير الشمال

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

الانتخابات البلدية في موعدها والتحضيرات على قدم وساق

يحفل عام 2022 بالاستحقاقات الانتخابية اللبنانية التي تبدأ بأعلى الهرم “رئاسة الجمهورية”، وتنتهي بالانتخابات البلدية …