لبنان

الثورة تصفع الأحزاب وتفضح المتسلّقين

بدا مشهد قصر العدل إثر اعلان ملحم خلف نقيباً للمحامين أشبه بساحة من ساحات التظاهر، حيث علا الصياح وهتافات “ثورة ثورة” في مشهدٍ لم تألفه النقابة من قبل.

وكأن ذوي ربطات العنق قد حوّلوا هذا الصرح ذي الملامح الأرستقراطية الى ساحة شعبية شبيهة بساحة الشهداء في بيروت وساحة النور في طرابلس.

وكأن القصر قد عاد من غربته الطويلة في أقفاص الأحزاب الى أحضان الناس المنتفضين منذ أكثر من شهر على الفساد وعلى خرق الأعراف الدستورية.
فحناجر المحامين التي صدحت بهتافات الثورة كانت وكأنها تفرغ كل الغضب وكل النقمة المختزنة على سرقة النقابة ودورها في السنوات الأخيرة من قبل تكتّل احزاب الطبقة السياسية الحاكمة التي أنهت العمل النقابي في البلاد في جميع القطاعات العمالية والمهنية.

لذا كان هذا الاحتفاء الكبير بفوز محامٍ خارجٍ من رحم المجتمع المدني والعمل الميداني الوطنيّ العابر للطوائف والمناطق والانتماءات.

لقد أظهرت انتخابات نقابة المحامين مكابرة وانكار الأحزاب مجتمعةً لمتغيرات ما بعد 17 تشرين. وهي في تكتّلها رغم خلافاتها وسجالاتها وعداواتها تبدو مصرّة على المضي في التقاسم والمحاصصة ووضع اليد على العمل النقابيّ.

اذ انّ مسارعة أحزاب السلطة ولا سيما حزب الله وحركة أمل الى تبني فوز النقيب الجديد المستقلّ ملحم خلف بعد صدور النتائج وبعد أن حسم فوزه تدلّ على رفض الاقرار بالهزيمة، وعلى صعود القوى التغييرية الجديدة، كذلك على عدم الاعتراف باهتزاز القواعد الحزبية نتيجة تغييب النقاشات الداخلية ونتيجة التحالفات الهجينة والتي غايتها متابعة الامساك بكل مفاصل الحياة العامة والالتفاف على أي تمايز وغلبة خارج منظومتها.

فمن بديهيات العمليات الانتخابية أن تعلن الأحزاب تأييدها لأي مرشح قبل الاقتراع وليس بعده، اللهمّ الا إذا كان القصد التشويش على فوز النقيب الجديد والتقليل من وهج انتصار الثورة وربما للدخول في سجالات عقيمة غايتها تسخيف الانجاز الكبير الذي حققته الثورة في استرداد نقابة المحامين في بيروت (من اتصل بمن، الرئيس بري ام النقيب الجديد).

وهنا لا بد من التساؤل، لما لم تبادر قيادتا الحزب وأمل الى تبني خلف قبل الانتخابات إذا كانتا قد جيّرتا له أصواتها؟ فهذان الفريقان لن يترددا في حال رغبتهما بتسجيل موقف انتخابيّ. ولكن جلّ ما حققتاه من هذا الاعلان المتأخر هو تصويب سهام المتضررين من انتخاب خلف للتقليل من قيمة استقلاليته والتي اعتبرها المتظاهرون انتصاراً جديداً يضاف الى انجازات ثورة 17 تشرين.

الثابت في هذه الانتخابات، أن هناك صفعة من العيار الثقيل وجّهت الى الأحزاب الكبيرة. فأحزاب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحرّ وتيار المستقبل تعتبر من القوى الوازنة في صفوف المحامين، وقوة كل منها على حدة فاعلة في صناديق الاقتراع، فكيف بالحري إذا اجتمعت مع بعضها؟ فهي بالفعل اجتمعت، وأعلنت على الملأ دعمها للمرشح الراسب المحامي ناضر كسبار.

فالتيار الوطني الحرّ سحب مرشحه المحامي جورج نخلة قبل بدء عملية الاقتراع لصالح كسبار، في حين سحبت القوات مرشحها بيار حنا بعد انتهاء الدورة الأولى لصالح كسبار أيضاً، وحذا تيار المستقبل حذوهما وأعلن عن تأييده للمرشح نفسه. كسبار الذي كان قد حصد في الدورة الأولى 1681 صوتاً من دون دعم القوات والمستقبل، لذا كان من البديهيّ أن يحصد مئات الأصوات الجديدة في الدورة الثانية. فما الذي حدث حتى تراجعت نسبة تأييده بدلاً من التقدم لتنتهي النتيجة بحصوله على 1532 صوتاً فقط؟ 

ففي المعلومات، هناك عدد كبير من المحامين الذين كانوا قد صوتوا لكسبار في الدورة الأولى على اعتبار انه مستقلّ وغير حزبيّ، قد عدلوا عن هذا الخيار بمجرّد أن أعلنت الأحزاب الثلاثة عن دعمه.

وبعض هؤلاء قد صرّح علناً قبل بدء الدورة الثانية بأنهم قد يقترعون لصالح ملحم خلف في مواجهة تكتل القوى السياسية.

أما المفاجأة فكانت في الجسم الحزبي نفسه داخل النقابة، فالمحامون الحزبيون لم يلتزموا هذه المرة بالقرارات الحزبية وتفلتوا من قيودها. فتحالفات الضرورة بين هذه الأحزاب لم تقنع جمهورها من المحامين الذين رفض قسم كبير منهم الانتخاب وقاطع العملية الانتخابية قبل الدخول في الجولة الثانية، فيما انتخب قسم آخر ملحم خلف وذلك بعكس رغبات القيادات الحزبية.

علماً بأن زيادة أصوات ملحم خلف في الدورة الثانية لم تتخطّ الـ 279 صوتاً عمّا ناله في الدورة الأولى، وهذا يعني أنه ليس هناك من قرارٍ حزبيّ بمساندته على مستوى الحزب والحركة، وربما يكون قد نال أصواتاً متفرقة من المحامين الحزبيين الذين لم تعجبهم صيغة اخراج الدورة الثانية.

 وهذا التسرّب الحزبي ترك عدة علامات استفهام لدى القوى المحركة لهؤلاء المحامين. وبات من الواضح أن نبض الشارع بات يتسلّل بقوة الى داخل الأجسام الحزبية ويحدث فيها خلل واضح في معارضة التوجيهات. 

مفارقات كثيرة تركها هذا اليوم الانتخابي الذي لم يسبق له أن حظي بمثل هذا الاهتمام الشعبي العابر لمختلف الشرائح الاجتماعية والذي واكبه اللبنانيون وكأنه استحقاق وطنيّ مفصليّ وليس نقابيّاً صرفاً يخصّ أصحاب الشأن.

وأكثر ما لفت أنظار المراقبين كان موقف القوات التي تخلت عن مرشحها الحزبي المحامي بيار حنا وسحبته لصالح كسبار بالرغم من تفوق الأول في نتائج الدورة الأولى.

والقوات التي حاولت اظهار نفسها منذ بداية الثورة داعماً أساسياً للاحتجاجات الشعبية قد فاجأت أنصارها بعدم تأييدها لمرشح مستقل في مواجهة المرشح المدعوم من قبل ركني السلطة الأساسيين أي المستقبل والوطنيّ الحرّ.

فهل الغاية من تكتّل الأحزاب هو الخوف من تعزيز الاستقلالية في الحياة العامة؟ وهل بات نبض الثورة يشكّل تهديداً حقيقياً لكافة الأحزاب التي بات شعار “كلّن يعني كلّن” يمسها جميعها من دون تفرقة؟

حتى الساعة لا يوجد تبرير مباشر لخطوة القوات في نسج تحالف انتخابي مع التيار الوطني الحرّ الذي لطالما خذلها وأخذ منها بدل أن يعطيها وجيّرت أصواتها لمرشحيه في كل الاستحقاقات الانتخابية النقابية الماضية منذ تاريخ التحالف بينهما إثر اتفاق معراب.  

انّ انتخاب ملحم خلف نقيباً للمحامين قد اعتبرته الثورة انجازاً رائداً يضاف الى انجازاتها التي كان اولها اسقاط الحكومة في الشارع، كما ان النجاح في اختراق الأحزاب قد أعطى أملاً بأن وصول مستقلين الى سدة المسؤولية بمعزل عن الأحزاب ليس بالأمر المستحيل.

وقد يتناغم هذا الانتصار مع المطالبات الشعبية المتكررة بتشكيل حكومة مستقلين قادرة على ادارة البلاد. 

نموذج النقيب الجديد قد يكون مقدمة لتولّي أصحاب الكفاءة والاختصاص المسؤوليات العامة. ان انتخاب ملحم خلف وما يمثّله من قيم الاستقلالية ونظافة العقل والكفّ هو خطوة متقدمة في رحلة الألف الميل نحو دولة القانون والمواطنة القادرة على المساءلة والمحاسبة.

ان مؤسس جمعية “فرح العطاء” أثبت نفسه ميدانياً من خلال البصمات التي تركتها هذه الجمعية المكوّنة من شبان وشابات من جميع الطوائف اللبنانية يجمعهم العمل التطوعي المجاني في مساعدة الناس الأشدّ فقراً عبر ترميم بيوتهم المتواضعة أو التي هدّمت في النزاعات المسلحة (باب التبانة- جبل محسن).

لذا، فانّ الرجل امام تحديات كبيرة عليها أن تحاكي تطلعات جيل 17 تشرين الذي أولاه الثقة واعتبره رفيقاً في مسيرة النضال المستجدة لإعادة احياء الحياة القانونية والدستورية التي تمكنت قوى السلطة من خنقها لسنوات طويلة.

وكلنا امل أن يكون مشهد خروج النقيب المنتهية ولايته المحامي اندريه الشدياق الذي ودعه المحامون بعبارات التنديد والاستهجان هو نهاية مرحلة قبض أمراء الطوائف والأحزاب على مفاصل النقابة الأهم في لبنان. 

رياض طوق – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة