الحريري “بلصنا”!

واقعيٌ هو كلامُ أحدِ المراجع الكبار حول أنّ سعد الحريري “بَلَصَ” الجميع بإستقالته!

صحيحٌ، أنّ شركاء رئيس الحكومة في التسوية كانوا يعتقدون أنّ “الشيخ سعد” يمارس نوعًا من أنواعِ المناورةِ السياسيّة في مسعى منه إلى تعزيز أوراقه التفاوضيّة وفرض شروطه على الطاولة علَّه يعيد إنعاش بند التعديل الوزاري من خلال تقديمِ نفسه على أنّه مستعدٌ للخروجِ من كنفِ الحكومة. لكن الواقعيّة السياسيّة كانت تدفع بهم صوب محاولة تأمين شروط الحريري والعمل على تليين موقفه، والاعتقاد بوجودِ إحتمالاتٍ ومصالحٍ كبرى تخلي رغبته الحقيقيّة بإتجاه الاستقالة.

وما زادَ الاعتقاد بأنّ الحريري كان يُناوِر فعلاً، خوضهِ في مسارٍ “ضبابيٍّ متذبذبٍ” منذ تهديده بمهلة الـ72 ساعة ثم تجاوزها لاحقًا بفعل رضوخهِ لإقرار الورقة الإصلاحية والذهاب نحو وضعها في خانةِ “الإنجاز” الذي يُسجَّل لحكومته، وانكبابه باتجاه المحافظة على ديمومةِ عملِ الحكومة من خلال السَّهر على الدعوة إلى عقدِ اجتماعاتٍ للجان المُصغَّرَة الموكلة ملفات أساسيّة.

بالتوازي مع ذلك، كان الحريري يعمل قدر المستطاع في مرحلة “الضغط بالشارع” من أجل ابعاد عنه بعض الأصوات المزعجة الموجودة ضمن تياره المفروض ابقاء التواصل معها، وهو ما عزَّز الظنون حول عدم توافر نيّة لديه في تقديم استقالته.

هؤلاء المزعجين، وعلى ذمّةِ مصادرٍ ذات إطلاع، كان الحريري يتوجّس منهم طيلة فترة الحراك المُمتدّة على مدى 13 يومًا، لكونه رأى أنّ تلك الوجوه تريد الحاق الأذى به مستخدمةً ظهورها في وسائل الإعلام وحرصها على تناول الوضع الحكومي من زاويتها، فضلاً عن تعمّدِ بعضهم صراحة توريط الحريري بقضايا أو تصريحات أو تقديم معلومات على نحوٍ كان يزعجه.

وتشرح، أنّ إحدى تلك الوجوه، قيادي شمالي، حضر إلى بيت الوسط من أجل لقاءِ الرئيس الحريري، فلم يتحقق مبتغاه حين أُبلِغَ من على “الباب”، أنّ دولته “مشغول ولديه مواعيد”، فانصرف للتحدّثِ مع بعضِ أفرادِ الدائرة الضيّقة في القصر، ليتواتر إليه منهم أنّ الحريري “يلوح بالاستقالة”، فما كان منه إلّا وأن تواصل مع إحدى القنوات التلفزيونية واضعًا مهلة 48 ساعة كحدٍّ فاصلٍ لتقديمها.

لم يعد سرًّا، أنّ الحريري أبدى انزعاجه من التصرّف السّابق ذكره، وهذا سجل خلال اللقاء الذي التأم على بركة الاستقالة في بيت الوسط، إذ لم تحضر أيّ من الوجوه المُصنَّفة ضمن “صقور المستقبل” إلى جانب الحريري الذي إختار الجلوس على كنبةٍ بينما سائر الضيوف أُجلِسوا على كرسيٍّ عاديٍّ. ولعل الحريري وجدَ في ما سُرِّب اداة قد تنفع للاستثمار.

لكنه على العكس من ذلك، كان يتقلّب يمينًا ويسارًا خلال الاجتماعات التي عُقِدَت قبل الاستقالة بيومٍ، حين كان يغمز أمام زواره من فئة الرسميين بإتجاه الاستقالة، ثم يعود ويؤكد لهم ردًّا على دعواتهم لالتئام الحكومة، أنّه يسهر على حسن تدبير امورها من خلال دعوة اللجان إلى الانعقادِ كتعويض!

هذه الوقائع يؤكِّدها مرجعٌ، حين أعلن أمام ضيوفه بعد يومٍ واحدٍ على إستقالة الحريري، أنّه يعتبر ما جرى “بلصة”، لماذا؟ لأنّ “الرئيس المستقيل” كان قد دعاه إلى مجاراة عمل الحكومة! ذاكرًا، أنّه في صددِ الدعوة إلى عقدِ جلسةٍ في اليومَيْن المقبلَيْن (أي الخميس)، فتأمّل المرجع خيرًا وبدأ يعمل على مضمون جدول الأعمال.

لكن في اليوم التالي، استيقظ على اهازيج استقالة كانت تصدح في الاعلام بوتيرةٍ مرتفعةٍ، و”كنا نظن أنها نوع من انواعِ الضغط الصريح”، على إعتبار، أنّ الذي يريد الاستقالة يفعلها فورًا ولا ينتظر إلى فترةِ بعد الظهر، لذا عمّمنا أن يُدارى الحريري في المفاوضات وأن يُصار الى تقديم المساعدة له، وهذا تُرجِمَ من خلال لقاءاتٍ عدّة أُجرِيَت بينه وبين “الخليلَيْن” كلّ على حدة، لم يخرج عنها الشيء المُطَمئِن.

ويقول المرجع لزوّاره، أنّه “صُدِمَ” مرّتين، الأولى “حين دُعِيَت وسائل الاعلام إلى بيت الوسط”، وثانيًا، “حين اعتلى الحريري المنبر معلنًا الاستقالة، على الرغم من أنّ الجو لدي كان يشير إلى إحتمال حدوث إستقالة، “لكنّي اصرَّيت على عدمِ الأخذِ بها مستكينًا الى ما علمته منه بشأن نيّته الدعوة إلى عقدِ جلسةٍ للحكومة”، مستخلصًا نحو إعتبار أنّ ما جرى يُمثِّل “طعنة”.

في تقدير أكثر من طرفٍ واكبَ المشهد، أنّ بين هدوء الحريري صباحًا وإنقلابه مساءً قطبة مخفية، إن جرى تفكيك أحجيتها قد يجري العثور على تفاصيلٍ تفيد في قراءةِ المشهدِ على حقيقته. لكنها تشدِّد في المقام نفسه، على إعتبار أنّ ما أقدَمَ عليه الحريري يمثل “عملية إنقلابٍ صريحةٍ على التسوية التي دخلناها معًا”، ولا بدّ من التحقيقِ والتدقيقِ لفهمِ ما جرى.

في الحقيقةِ، إنّ تصرّف الحريري أرخى عن إنزعاجاتٍ بالجملة تكوَّنت لدى شركائه، الذين كانوا في صورةِ أنّ “الشيخ سعد” ما زال يأخذ في الاعتبار ما قدّموه لاجله زمن احتجازه في السعودية، وأنه ليس في وارد التخلي عنهم كما لم يقبلوا التخلي عنه!

هذا الكلام، يأخذنا إلى البحثِ في احتمالاتٍ أخرى قد تكون ساهمت في تأمين “الخروج الضبابي” للحريري الذي رُسِمَت على خطوطِ وجههِ خلال زيارته القصيرة إلى قصر بعبدا علامات تدفع إلى التساؤل، ولاسيّما أنّ اجماع الملأ من الدول المعنية في الملف اللبناني، كان يعتبر أن الحريري يمثل في وجوده داخل السلطة إلى جانب رئيس الجمهورية ميشال عون، “حصان طروادة العهد”.

ولم يكن سرًّا، أنّ هؤلاء كانوا يعتبرون أنّ هناك خللاً حدث داخل السلطة اللبنانية بعد انتخابات 2018 وجَبَ تصحيح مساره بعدما أطيح مبدأ تقسيم النفوذ الذي جرى الالتزام به منذ الفترة التي تلت اتفاق الدوحة عام 2008، أي الذي قام على تقسيم النفوذ في الرئاستين الأولى والثانية وفي مجلس النواب بالتوازن بين فريقي 14 و8 آذار، ولاحقًا بين الفريق المؤيِّد للمقاومة والفريق المحسوب على يسارها.

وقد إلقىَ على كال الحريري إتهام التلاعب بالتوازنات التي كانت قائمة مما جعله مساهم كبير في موضوع “ضرب التوازن”. لذا ومن أجل إدراك التوازنات، كان لا بدّ من ضربِ هذه الصيغة، وهذا لا يتمّ تأمينه إلّا من خلال تموضع الحريري خارج التسوية من خلال عاصفة سياسية هوجاء.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

“بعد طلب الإستماع إلى إفادته”… جعجع: تكرم عينو.. ويضع “شرطاً”!

علَق رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع على خبر طلب الإستماع إلى إفادته، بالقول: “إذا …