المشنوق للحريري: “إنّه ليس الإقتصاد يا عزيزي”!

لم يتأخَّر ردّ رئيس الحكومة سعد الحريري على الكلام الأخير عالي السقف لوزير الداخلية السّابق النائب نهاد المشنوق.

الى هذه الدرجة، باتت المسافة واضحة بين الرجلين، ولن يزيدها تعقيدًا سوى تسليم بعض القريبين من الحريري بأنّ “المشنوق لا يكفّ عن المناورة لحسابات سياسيّة وشخصيّة”، في مقابل إطلاق المشنوق من وقتٍ الى آخر جرس إنذار. هذه المرّة، كأنّما يقول للحريري:”المشكلة ليست في الاقتصاد.. يا عزيزي”!

يوم الاربعاء الفائت، أطلّ المشنوق خلال احتفال بالحجّاج أقامته “الحملة السعودية اللبنانية” ليُكرِّس خطوط التماس التي باتت تفصله عن سياسات بيت الوسط… والعهد.

كلامه الذي ركّز فيه على واقع أنّ “حزب الله” يتصرَّف وكأنّ لبنان “غرفة عمليات” لمشاريعه، سبق بيوم واحدٍ حديث الحريري لمحطة “CNBC”، حيث سلَّم رئيس الحكومة، بأنّ “حزب الله” مشكلة إقليمية، وأنّه مع رئيس الجمهورية من يدير الحكومة وليس “حزب الله”.

باعتقاد كثيرين، أنّ الكلام كان موجهًا الى أكثرِ من طرفٍ بينهم المشنوق والرئيس فؤاد السنيورة الذي كان أوَّل من اعترض على موقف الحكومة والسلطات من هجوم “حزب الله” على آلية إسرائيليّة انطلاقًا من الأراضي اللبنانية.

في كلامِ المشنوق الأخير، لم يكن من الصعب الاستنتاج أنّ مقدار المآخذ على الحريري بات خارج السيطرة من دون تجاهل الرسائل التي أطلقها بكافة الاتجاهات خصوصًا رئاسة الجمهورية و”حزب الله”، ناعيًا حتى إمكانية “الوصول بشكلٍ سهلٍ الى نتيجة في الوقت المناسب على الصعيد المالي والاقتصادي”.

الاستنتاج الذي لاقاه الحريري فورًا بالتبشير “بأنّكم سترَون جهدًا كبيرًا من الحكومة في الايّام المقبلة لكي ننجو من العاصفة”!

وفيما لم يسبق أحد المشنوق في ربطِ “النفط والغاز”، بـ “الاتفاق الجدي والحاسم على الاستراتيجيّة الدفاعيّة”، موحيًا، بأنّها باتت من شروط “سيدر” غير المعلنة، كان لافتًا التصويب مجددًا على مسألة الصلاحيات من خلال إشارته الى “عدم صلاحية المجلس الاعلى للدفاع في اتخاذ قرارات لأنه بالأساس ينفّذ تلك الصادرة عن مجلس الوزراء”، رافضًا استخدام “صيغ تختصر الأخير في هيئات”!.

الأبرز في كلام المشنوق، تأكيده بعد 14 عامًا على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بأنّنا “مهما حاولنا، كلنا من دون استثناء، أن نملأ هذا الفراغ، فلن نستطيع، لا في شخصيّته ولا في طبعه ولا في قدراته أو في إمكاناته واندفاعته ولا في سهره الليل ووصله بالنهار ولا في همّه البيروتي الأوّل”، مذكّرًا، بأنّ من “وقّع على نقل نفوسه إلى بيروت هو الدكتور سهيل بوجي وأنا في العام 1996”.

ردّ الحريري، جاء سريعًا أيضًا ومن مسجد محمد الأمين حيث رعى احتفالاً للحجاج.

“البراغماتية” إيّاها التي اعترف بها أمام مراسل شبكة CNBC هي نفسها التي دفعته الى تأكيد حصول تقصير من جانبه مع أهل بيروت “سواء بسبب انشغالاتي أو الأوضاع الراهنة”، لكنه جزم في نهاية المطاف، “أتيت لأكمِّل مسيرة رجلٍ لم يكن يملك شيئًا حين ولد. لكن المهم أن نعرف من هو رفيق الحريري، لا أن نزايد على رفيق الحريري. رفيق الحريري كان إنسانًا متواضعًا، وفي هذه الأيام لا نرى الكثير من التواضع. رفيق الحريري كان صادقًا، وفي هذه الأيام لا نرى الكثير من الصدق. ورفيق الحريري كان وفيًا، فأين الوفاء في هذه الأيام؟”، قائلاً “الله يُمهِل ولا يُهمِل”!

مستقبلي مخضرم، يتفهّم “تماماً هاجس الحريري الاقتصادي وواقعيته السياسية”، يرى، أنّه “إذا كانت هذه الرسائل موجّهة إلى السنيورة والمشنوق”، وهذا افتراض جدّي وليس مؤكّدًا، “فالأسئلة تُرَدّ إلى طارحها” وأدلّته على ذلك:”نادر الحريري أوّلاً، الذي أبقى على بيت سعد الحريري مفتوحًا سياسيًا طيلة السنوات التي غابها في السعودية، ودوره الذي لا يستطيع أحد أن ينكره خلال أزمة احتجاز الحريري. وفؤاد السنيورة ثانيًا، الذي حفظ الكتلة النيابية طيلة السنوات نفسها، مع رفاقه بالطبع، وتمّ إبعاده عن النيابة بفضل قانون الانتخابات، ومن ثم استبداله بالنائب بهية الحريري في رئاسة “الكتلة”.

أما نهاد المشنوق، فصوته الجهوري من دار الفتوى لا يزال يتردَّد في آذان اللبنانيين، ورفضه العلنيّ، وحيدًا بين كلّ الحريريين، في أزمة احتجاز الرئيس. فمن هو الذي يُسأل عن الوفاء والصدق والإخلاص والتواضع؟”.

لم يكفّ محيط الحريري منذ خروج المشنوق من الصنائع عن اتهامه بـ”المزايدة” ومحاولة استغلال أي فرصة لتصوير رئيس الحكومة وكأنّه “متفرّج” على من ينتقص من صلاحياته ويدفع أثمانًا باهظة للتسوية الرئاسية التي كان المشنوق نفسه أحد المسوِّقين لها، والايحاء بأنّه يغطي “حزب الله” ويأتمِر لشروط اللعبة التي يفرضها على الداخل، “فيما الواقع هو عكس ذلك”، بتأكيد “الحريريين”.

وفيما يبدو أنّ العديد من المحيطين بالحريري، وبعضهم من الدائرة اللصيقة به، يوافقون المشنوق في نظرته الى ضرورة ان ينتهج رئيس الحكومة سياسة أكثر صلابة إن في ما يتعلق بالعلاقة مع الطرف الآخر في التسوية أو لناحية رفض التموضع تحت تأثير نفوذ “حزب الله” المتزايد، إلّا أنّ الجزء الأكبر من هؤلاء يعاير المشنوق بـ”طموحاته الشخصية التي تطغى على أي أمر آخر”، مشيرين بالإصبع الى أنّ الوزير السّابق لا يزال “يناور”.

كما يصوِّب هؤلاء، على التناقض في بعض المواقف بينه وبين الرئيس فؤاد السنيورة “الأكثر وضوحًا” والذي لا يهمّه الحفاظ على خط الرجعة مع “حزب الله” كما يفعل المشنوق ومن الأمثلة على ذلك، استخدام توصيف “الشهيدين” في حديثه عن عنصريّ “حزب الله” اللذين سقطا مؤخرًا في سوريا!.

أكثر من مرّة، فكَّ وزير الداخلية السّابق “صيامه” عن الكلام من أجل تمرير ما يلزم من رسائل. في حزيران الفائت، تحت وطأة الخلاف الذي نُشِرَ غسيله على السطوح بين “الوطني الحر” و”المستقبل”، أطلق المشنوق رُزمة مواقف لم يكن أقلّها تحذير الحريري بشكلٍ غير مباشرٍ من مغبّة التمادي في قبول تسويات يوميّة وظرفيّة تحت شعار “التضحية” من شأنها أن تقود البلد نحو الانهيار وتخريب التوازنات.

لم يكن حديث المشنوق وتأكيده، أنّ “رئاسة الحكومة هي مركز توزيع السلطات في لبنان، وليست مجلس إدارة هلوسات أيّ فريق سياسي”، سوى تكملة لمشروع انتفاضة بدأها حين كان لا يزال داخل مكتبه في الصنائع حيث رصد باكرًا انحراف التسوية الرئاسية.

أما اليوم، فإنّ منحى الأمور بات أكثر تعقيدًا وحساسيّة في ظلّ ازدياد منسوب العقوبات الأميركية التي لم يكن مجرد تفصيل هامشي أن تطاول مصرف “الجمّال” بعد عودة الحريري مباشرة من واشنطن، وبعد استقباله وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو في مزرعته بالعاصمة الأميركية، بالتزامن مع تسريب معلومات عن أنّ وزير الخارجية جبران باسيل وبعض المحيطين به باتوا في دائرة العقوبات.

وفيما يبدو الحريري مهجوسًا بالوضع الاقتصادي، ومركّزًا على مهلة السماح الممنوحة للبنان من أجل تسوية ما عليه من متوجبات خلال ستة اشهر و”إلا الطوفان”، يبدو المشنوق في مكانٍ آخر تمامًا، كأنّما يقول لرئيس الحكومة “المشكلة سياسيّة وليست ماليّة، وبالتالي فإنّ الحلول سياسية لا مالية”.

في المقابل، يجزم مراقبون في هذا السّياقـ أنّه “ليس صعباً بالطبع على العرب والخليجيين والأوروبيين والأميركيين تعويم اقتصاد لبنان ببعض المليارات، إن أرادوا، في مكان يصحّ فيه الاستثمار السياسي، لكن أزمة لبنان بات عنوانها سلاح “حزب الله” بدليل قساوة العقوبات الاميركية”.

 

 

 

 

 

 

 

 

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

“خطوة أولى” لميقاتي… هل تَتَشكّل الحكومة قبل 4 آب؟

تحدّث عضو كتلة “الوسط المستقل” النائب علي درويش عن “فجوة في هذا الظلام الدامس تمثلت …