لبنان

“بروفا” فتح الطرقات: هل وصلت الرسالة؟

لم يكن القرار الذي اتخذته قيادة الجيش بفتحِ الطرقاتِ المقطوعةِ بما في ذلك التجمّعات المركزية في جل الديب والذوق سوى محاولة المؤسسة العسكرية المواءمة بين ضبطِ الارضِ ومنعِ شلِّ البلد، وما بينهما حماية حقّ التظاهر.

افتراضيًّا، لو قُدِّرَ لشركةِ احصاءاتٍ أن تجري مسحًا لآراءِ العسكرِ في “الثورة” والمتوّرطين في ايصال اللبنانيين الى قعرِ القعرِ لوجَدنا على الارجحِ الجيش يسبق اللبنانيين الى التمركز في ساحات الاحتجاجِ!

لم يكن الأمر سهلاً لناحية اتخاذ القرار بفتحِ الطرقات تدريجيًّا وبشكلٍ شاملٍ والذي حُسِم ليل الثلاثاء – الاربعاء. وما فُسِّرَ “بالقوّة” لدى كثيرين كان بالنسبة الى قيادة الجيش خطوة ضرورية بعدما انعكسَ التفلّت في قطعِ الطرقاتِ بشكلٍ سلبيٍّ إن على المواطنين الذين يتبَنّون أصلاً بأغلبيَّتهم السّاحقة “ثورة الفقراء” أو على الجيش ومعنويات ضبّاطه وعسكره.

لكن مجريات يوم الأربعاء، اثبتت بالعينِ المُجرَّدة، أنّ الجيش ورغم الاوامر الواضحة من القيادة بإزالة “العوائق” البشريّة والماديّة أمام المواطنين وفتح “شرايين” مسالك الطرقات الاساسيّة، فإنّ العمليّة بقيَت على مسافةٍ من الخطِّ الاحمر بحيث لم تسجَّل أيّ حالاتِ قمعٍ لفتحِ الطريق بالقوَّة رغم الاعداد الهائلة من العسكريين التي انتشرت من أجل تنفيذ المهمة.

وبدا منطقيًّا التساؤل عمّا يمكن أن يفعله الجيش على الارضِ في مواجهةِ المدِّ البشريِّ في وقتٍ تعجز السّلطة المنكوبة عن ردِّ “غضبه وثورته” عنها!

وقد أتى بيان الجيش عقب العجزِ عن فتحِ الطريق في جل الديب والذوق في مقابل النجاح في فتح طرقٍ أخرى، ليوضح أكثر الغاية من هذه الخطوة التي جُنِّدَ من أجلها مئات الجنودِ بما في ذلك “فوج المغاوير” و”فوج المجوقل”.

حيث أنّه، في بيانٍ لافتٍ وبعد صمتٍ امتدَّ لأيامِ الانتفاضةِ الستّ، جاهرَ الجيش الذي خرَج لتوّه من معركةِ المسِّ بحقوقه، بأنّه يقف الى جانبِ “مطالبِ المتظاهرين المُحقَّة لكن من دون اقفال الطرق واستغلالكم للقيام بأعمالِ شغبٍ”، ومن “أجل تسهيلِ وصولِ الحاجات الاساسيّة للمواطنين”، ما يعني اعترافًا واضحًا من جانبِ المؤسسةِ العسكريّة بوجود إمّا متسلّقين للحراك الشعبي أو تعمّد قوى سياسيّة من خلال مجموعاتٍ محسوبةٍ عليها أخذ التحركات نحو مسارٍ غير سلميٍّ.

ولعلّ نشر الجيش اللبناني على صفحته عبر “تويتر” صورة معبِّرة لمواطنٍ يعانِق عسكريًّا في منطقة الذوق تحديدًا، حيث كانت الأوامر واضحة بفتحِ مسلكَيْ الاوتوستراد، يَعكس “الحدود” بين المتظاهرين والقوى العسكريّة التي “تدفش” قوى سياسيّة لجرِّها الى “استعادةِ” الطرقات “بأيّ ثمنٍ” حتى لو كلَّف ذلك إراقة الدماءِ.

وبين المتن والنبطية وصولاً الى مصرف لبنان في الحمرا، مع اختلافِ “المناخاتِ” السياسيّة لكلّ منطقة، شكَّل يوم الأربعاء، بروفا لما يمكِن أن تشهده الارض في حال استخدامِ القوّةِ، كما اعتُبِرَ بمثابة رسالةٍ للقوى السياسيّة التي تَستَسهِل اللعب بالخطوط الحمر.

يأتي ذلك، في ظلّ تسليمِ الجيش، بأنّ ضبط الاعصاب لن تكون صلاحيته مفتوحة خصوصًا إذا كان هذا الامر الواقع سيقود الى المزيدِ من العرقلةِ في تأمين الحاجات الحياتيّة المُلِحَّة، وهو “زنارٌ” بات يخنق حتى من هم من أشدّ المتطرّفين لـ “الثورة” لكن على أساس ايصال الصوت من الساحات المركزية وليس من “الزواريب”.

في نهر الكلب، ساهمت قلّة الحشودِ في السيطرةِ على الوضعِ بوقتٍ قصيرٍ، فيما فرضت التجمعات الضخمة في الذوق وجل الديب شروطها على العسكر، وبدا أيّ خيار عسكري يفرض بقوة قد يؤدّي الى اصطدامٍ غير محسوبِ النتائجِ.

أما في النبطية، فقد لعِبَ الجيش دور “قوات الفصل” لا أكثر في منطقةٍ شديدةِ الحساسيّةِ لحزب الله السيطرة الاكبر فيها في مقابل تجمّعات شعبيّة غالبيّتها من اليساريين والشيوعيين الذين بدوا كـ”كوماندوز” في منطقةٍ معاديةٍ حاول بعض العناصر فيها فضّ الاحتجاج بالقوّةِ!

وفي الحمرا قبالة مصرف لبنان حيث تسمع بقوة منذ يومَيْن الدعوات لاستقالة “الحاكم” رياض سلامة ومحاسبته وزجّ الفاسدين في السجون، تحوَّلت البقعة المُمْتدَّة بين وزارة الداخلية ومصرف لبنان المركزي الى ساحةٍ ممسوكة من جانب المتظاهرين ومقفلة على مرأى قوى الامن الداخلي التي تتولَّى عناصره مواكبة الاعتصام من دون أوامر حتى الآن بفتحِ الطريق بالقوَّة. هو مشهدٌ لا يختلف أبدًا عن “عوامل الضغط” في مناطقٍ أخرى حيث يتولَّى الجيش المهمة، والنتيجة واحدة: الامرة للشارعِ.

ويبدو، أنّ حالة الطوارئ غير المُعلَنة التي يتخذها الجيش والتي يحاول من خلالها ضبط الامن بالوسائل المتاحة مع محاذرة “لعبة الدم” لا تزال جهات حزبيّة كـ “القوات اللبنانيّة” تُحسِن استخدامها و”تغذيها” ضمن حربها ضدّ “العهد” حتى في الطرق الفرعية التي تشهد حالات حرقِ أعصابٍ للمواطنين، فيما بدا فاقعًا “المرور” الذي إتَّخَذَ شكل تسجيل الموقف غير الموفَّق للنائب سامي الجميل في جلّ الديب ونعمة افرام في الذوق والذي انتهى بالانسحابِ تحت ضغط الهتافات.

لكن العين الأمنيّة، رَصَدت في الساعاتِ الماضيةِ ما تمَّ تسريبه عن شارعٍ عونيٍّ مُضاد قد ينزل بوجه “شارعٍ” يتهمونه بتنفيذِ انقلابٍ على العهد. ووفق المعلومات، لا تحضيرات من هذا النوع حتى الآن، لكن ذلك لا يمنع حصول احتكاكاتٍ بين “الجبهَتَيْن” بأيّ لحظةٍ، وعندها سيكون الجيش “حاضرًا” بقوَّة لمنعِ العودةِ الى التسعينيّات خصوصًا، أنّ “الحواجز القواتيّة” في العديدِ من البلدات ترفَع منسوب التوتّر بين الطرفين!

 

 

 

 

 

 

 

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة