جمعية train train تعدّ خطة للنقل المشترك وتضغط لتطبيقها..

تخيلوا أن في بلد كان يتغنى بأنه سويسرا الشرق ومقصداً للسياح العرب والأجانب، يجد نفسه بعد أكثر من ثلاثين عاماً على انتهاء الحرب من دون شبكات نقل مشترك. اليوم ومع اقتراب رفع الدعم عن البنزين وتخطي سعر الصفيحة عتبة المئة ألف ليرة لبنانية، سيلمس اللبنانيون أكثر فأكثر فشل دولتهم بتأمين شبكات نقل محترمة تغنيهم عن استخدام سياراتهم. علما أن كلفة السيارة الصغيرة والعادية تبلغ شهرياً نحو 675 الف ليرة لبنانية بحسب “الدولية للمعلومات”، أي ما يوازي الحد الأدنى للأجور.

غياب النقل المشترك هو جزء من سياسات الهدر والتنفيعات التي استفادت منها كارتيلات النفط على حساب الدولة وأكبر دليل على ذلك هو أن كلفة استيراد البنزين التي كانت ما قبل ال 2008 مليار ومئتي مليون دولار ارتفعت إلى ملياري دولار بحسب تقرير صادر عن البنك الدولي في ال 2018، في وقت لا يزال عدد السيارات المستخدمة على الأراضي اللبنانية على حاله، أي مليوني سيارة. ما يعني بشكل صريح أن ثمة من تقصّد التعمية على تطوير قطاع النقل المشترك من أجل الاستفادة من استيراد الفيول (للنقل) البالغة كلفته 3 مليار دولار سنوياً وتهريب جزء منه الى سوريا وقبلها إلى تركيا. فما لا يعرفه البعض أن قبل بدء الحرب على سوريا كان البنزين يهرّب عبرها إلى تركيا لأن سعر الليتر في لبنان هو أدنى بكثير مما هو عليه في أوروبا.

في المحصّلة باتت المافيات تتحكم بسوق النفط حتى أصبحت أقوى من الدولة وأرست هذه المعادلة واقعاً متردّياً تفوح منه رائحة الفساد والإهمال معاً. فبحسب دراسة أعدتها جمعية “تران تران” لم تشترِ الدولة اللبنانية باصات منذ ال 1996 وهي حالياً لا تملك سوى 21 باصاً بعد احتراق ستة منها في انفجار 4 آب. والأسوأ أنها خارجة عن الخدمة أيضاً بسبب الأعطال التي أصابتها جراء الانفجار وتضرّر ورش التصليح في مار مخايل وتلكؤ الهيئة العليا للاغاثة عن إجراء التصليحات بحسب مدير الجمعية كارلوس نفاع، الذي يضيف أن نسبة التضخم منعت التجار من التقدم إلى المناقصات التي أعلنت عنها مصلحة النقل المشترك لاجراء الصيانة. لكن حتى هذه الباصات لم تحصل عليها الدولة بعرق جبينها، فهي عبارة عن هبة قدّمتها الحكومة اليابانية للقصر الجمهوري الذي قدّمها بدوره لمصلحة النقل المشترك.

وكما سائر القطاعات، تفوح في النقل المشترك رائحة المحسوبيات السياسية والمحاصصات الحزبية على حساب مصالح الدولة. ففي الوقت الذي غضّت فيه الحكومات المتعاقبة الطرف عن تطوير قطاع حيوي وأساسي، تغزو الطرقات ما يُعرف ب “الميني فان” البالغ عددها أحد عشر ألفاً. أخطر ما في ذلك أن سبعة آلاف منها تحمل أرقاماً حمراء مزوّرة وتستبيح الطرقات برعاية كل الأحزاب السياسية من دون أي استثناء يقول نفاع. هذه الباصات الصغيرة تسيطر على الخطوط التي من المفترض أن تكون للدولة وأصحابها يتقاسمون المناطق فيما بينهم ويُمنع على أي طرف دخول امبراطورية الآخر. وعليه دفعت المحميات الحزبية بالدولة إلى منع إجراء أي مناقصة لشراء مزيد من الباصات من قبل مصلحة النقل المشترك وسمحت للنقل الشعبي بالسيطرة على الخطوط وإدارة شبكة الفانات المزورة.

هذه الفوضى تلقى صداها اليوم أكثر من أي وقت مضى مع وصول الدولة إلى الانهيار الكامل على كل المستويات نتيجة السياسات الخاطئة والهدر والفساد. فمنذ ال 2019 اقرّ لبنان مشروعاً وارداً من البنك الدولي بقيمة 295 مليون دولار لتطوير المواصلات. 225 مليون دولار منها هي عبارة عن قرض بفائدة 5.4% في حين أن الهبة هي فقط بقيمة 70 مليون دولار. لكن حتى الهبة ليست ممنوحة كرمى عيون اللبنانيين وإنما هي مشروطة بتوظيف بنسبة 30% من السوريين الحاملين لبطاقة ال UNHCR. وللمفارقة فان هذا القرض وخلافاً لكلّ الشعارات المناهضة لبقاء النازحين في لبنان، وافقت عليه كل القوى السياسية فأقر في لجنتي الأشغال والخارجية ومن ثم أصبح قانوناً.

لكن فضيحته تتعدى فكرة منح فرص عمل للسوريين على حساب اللبنانيين وتصل إلى حد سوء التخطيط والهدر. فمجلس الإنماء والإعمار اقترح إنشاء مشروع نقل الباص السريع عبر تشييد جسر من بيروت إلى طبرجا ورسى تلزيم الدراسة على واحد من أكثر الاستشاريين المحظيين، مكتب “خطيب وعلمي”. لكن المخطط جوبه برفض بلدية بيروت لأسباب لوجيستية فتم تعديله وانتهت الدراسة باقتراح بناء جسر من ضبيه إلى طبرجا. بهذه الطريقة اُفرغ المشروع من جدواه خدمة للتنفيعات وفقاً لرئيس جمعية “تران تران” ل Mediafactorynews كونه لا يربط المدن ببعضها البعض ولا يستفيد منه سوى جزء من اللبنانيين، في حين أن تسديد القرض يتم من جيوبهم جميعاً. لا بل وأكثر فان من سيستفيد من تشغيل القطاع هي شركات خاصة عبر شراء 250 باصاً في حين أن كلفة المشروع ستموّل من الضرائب التي يدفعها اللبنانيون.

لكن على الرغم من كل شوائبه لا يزال القرض سارياً في حين أن التنفيذ مجمّد فقط بسبب تعثر التلزيم نتيجة انهيار الدولة. أما الحل للاستفادة من هذا القرض على المدى الطويل فهو موجود ويتمثل بالدراسة التي أعدتها “تران تران”. الجمعية تقترح ارسال الحكومة اللبنانية طلباً إلى البنك الدولي للسماح باستخدام ما تبقى من القرض لتعزيز مصلحة النقل المشترك عبر شراء باصات جديدة عاملة على الغاز تؤفّر الخدمة في المدن الرئيسية، مع تنظيم محطات الباصات والخطوط لتأمين حق التنقل العادل بعد رفع الدعم. فشراء 1000 باص قد يخلق خمسة آلاف فرصة عمل جديدة للبنانيين. لكن ذلك لا يعني الاستغناء عن ال 11000 ميني باص، بل أن المقترح هو دمجها وتنظيمها عبر استخدام بطاقة وطنية رقمية للنقل تحدّد الدولة تعرفتها، عوضاً عن ترك التعرفة متفلتة خاضعة لاستنسابية أصحاب هذه الباصات والمحميات السياسية. كما يمكن للدولة أن تحجز جزءاً من القرض لتأمين الفيول للباصات لخمس سنوات.

اليوم تكثف الجمعية اجتماعاتها مع البنك الدولي في حضور مجلس الانماء والإعمار للوصول إلى تصوّر مجدٍ، علّ النقاشات تؤدي ولو مرة إلى تصويب انفاق أموال اللبنانين الذين لم ينعموا يوماً بعدالة التنقل والعيش الكريم أسوة بالدول المتحضرة.

لارا الهاشم – Media News Factory

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

ميقاتي “يبتزّ” العهد بالإنهيار!

رحّل الرئيس المُكلف نجيب ميقاتي البحث في ملف تشكيل الحكومة إلى ما بعد محطة 4 …