حكومة اللون الواحد هي الحل؟

بعد ان استفحلت الازمة في ​لبنان​ على وقع نزول اللبنانيين الى الشارع، عاد الحديث عن حكومة اللون الواحد، وعلى كونها خشبة الخلاص لهذا البلد من المأزق الذي يتخبط فيه. في المفهوم العام، تكون حكومة اللون الواحد مؤلفة اما من المعارضة او من الموالاة، ولا مجال للخلط بينهما، وتتكفل بمعالجة كل المشاكل التي تعترض البلد ومواطنيه، وفي حال نجاحها تبقى المعارضة على حالها، اما في حال الفشل فتنقلب الادوار بين الطرفين. من غير الممكن في بلد مثل لبنان يعاني ما يعانيه من الطائفية والتدخلات الاقليمية والدولية فيه، ان يشهد مثل هذا الاسلوب، ناهيك عن ان اي حكومة على هذه الشاكلة سيكتب لها الفشل قبل ولادتها اما من خلال الطوائف، او عبر افشالها قسراً من قبل الاحزاب والتيارات التي تنسى كل خلافاتها وتتحد ضدها.

اليوم، الكلام عن حكومة اللون الواحد يأخذ مفهوماً جديداً، اي ان تكون كلها من التكنوقراط، فلا تدخل فيها السياسة ولا تعرقلها اي آمال وطموحات لاحزاب وتيارات من اجل مكاسب وشعبية موقتة. ووفق المنطق، قد يكون هذا المخرج هو الحل الملائم للبنان في وضعه الحالي، ولكن دون هذا السيناريو عقبات عدة اولها ​رئاسة الحكومة​ وليس آخرها الاعضاء الذين سيتولون الحقائب الوزارية. فعلى صعيد رئاسة مجلس الوزراء، لا يزال رئيس الحكومة المستقيل ​سعد الحريري​ يتصرف وكأنه عائد لا محال الى السراي الكبير، وانه بات منزّهاً عن ايّ تهمة او خطأ، وبالتالي فهو يجري المشاورات ويصدر المواقف ويضع الشروط كي يحمل مجدداً لقب “دولة الرئيس” الفعلي وليس البروتوكولي. ولكن، كما كنا اشرنا في مقال سابق، فإن الامر غير محسوم وسيفتح الباب امام عودة وجوه وزارية الى السلطة من باب ان الاستثناء لا يصحّ، و”كلن يعني كلن”، فلماذا العفو عن الحريري دون العفو عن الوزير ​جبران باسيل​ او الوزير ​علي حسن خليل​ او الوزير ​محمد فنيش​…

والمعضلة ستكون بالتالي ايجاد شخص قادر على تولي رئاسة الحكومة، وفي الوقت نفسه بامكانه التعامل مع رئيسي الجمهورية و​مجلس النواب​، اضافة الى سائر القوى السياسية والاحزاب دون اللجوء في كل وقت الى ورقة الشعب عند كل منعطف او مشكلة، والا فقد صورته ووهجه والثقة الداخلية والاقليمية والدولية به. واضافة الى المشاكل التقنية، هناك مشاكل سياسية وعسكرية وامنية ستواجهه، وهو (في حال سلّمنا بايجاد شخصية تكنوقراطية مستقلة بالفعل)، سيكون غريباً عن التعاطي معها وفقاً للحساسية الخاصة التي يتمتع بها لبنان، خصوصاً لجهة العلاقة مع ​سوريا​ و​ترسيم الحدود​ مع ​اسرائيل​.

هذا باختصار شديد ما يمكن ان يواجهه اي رئيس حكومة تكنوقراطي محتمل. اما في حال تخطي هذه المعضلة، فهناك مشكلة اخرى تتمثل في القدرة على ايجاد 14 او 18 او 24 وزيراً لا ينتمون الى الاحزاب والتيارات حتى ولو كانوا من اهل الاختصاص، وكيفية تنفيذهم للقرارات التي سيتم اتخاذها في حين ان الحكومات السياسية الخالصة لم تستطع فرض تنفيذ ما كان يتم الاتفاق عليه، لاسباب عدة منها ما يعتبره البعض مصلحة شخصية، ومنها ما يمكن تسميته بالمناكفات والتنافس على الاستقطاب الشعبي، في حين انها ستكون عرضة في كل وقت للاتهامات الطائفية والمذهبية في اي قرار قد تتخذه، وفي موقع الدفاع الدائم نفسها. اما عند اتخاذ قرارات غير شعبية، فهناك الكثير ممن سيتطوع للقضاء عليها دون تردد.

هذا من الناحيتين التقنية والشعبية، اما من الناحية العملية فهل ستنجح اي حكومة في اقناع الناس انها قادرة على ادخال لبنان في نادي الدول النفطية دون “محسوبيات” و”عمولات” وغيرها من التسميات؟ وفي حال تم اختيار الاشخاص من اهل الاختصاص انما من المؤيدين (او المنتمين) الى الاحزاب، فسنشهد عودة الصراعات والخلافات الى داخل المجلس عند طرح اي قضية لا يرى الحزب او التيار السياسي انها ستعود عليه بالفائدة، وسنعود بالتالي الى المربع الاول.

هذا لبنان يا سادة، وما يصحّ لغيره لا ينطبق (للاسف) عليه.

طوني خوري – النشرة

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

اللّحظات الأولى لكمين الطيونة

بعد أن تأجلت جلسة الحكومة يوم أمس، كان قرار حزب الله وحركة أمل اختصار التحرك …