الأبرز

رسالة نارية في غرفة نوم شاكر البرجاوي

حين بَقَّ الوزير السّابق وئام وهاب قبل مدّة بحصة “ترشيح” شاكر البرجاوي لاعتلاءِ كرسي السرايا، إعتبرَ البعضُ، أنّ الرجل ينطق كفرًا أو أقلَّه يُعلن “ردّة سياسيّة” على الضاحية التي كانت في ذلك الحين تعيش زمن العشق الممنوع متيّمة التفكير سياسيًّا مع سعد الحريري، لكن وهاب الخارج حديثًا من “جلجلة الجاهلية” كان فعليًّا يتحدَّث بلسان “جناحٍ وازنٍ” ضمن فريق الثامن من آذار، يجد أن لا إستقامة سياسيّة في البلد من دون مواجهةٍ!

البعض رأى، أنّ في كلام وهاب “مغالاة سياسيّة” أو محاولات “ابتزاز أو استفزاز للسياسيين”، أو هو كنايةٌ عن محاولةٍ لإرسال رسائل “مزعجةٍ” كردٍّ على تلكؤ الحريري في أداءِ مهامه حينها، لكن فاتهم، أنّ الظروفَ المحليّة لا تحكمها الاسماء بل الوقائع والتصرفات.

الحقيقة، فإنّ هذا الجانب موضع الإشارة عند الثامن من آذار، يعتبر أنّ هناك ظروفًا خاصّة تتَّصل بطبيعةِ تركيبةِ إختيار رؤساء الحكومات في لبنان، وهي بالمناسبة تختلف جوهريًا عن سيناريو اختيار الرؤساء الآخرين. وفي تقديرهم، أنّ الاختيارَ يحمل موضع “الصدفة” في جوانبٍ كثيرةٍ منه، وقد تكون تتصل ربما بطبيعةِ التنوّع السياسي الذي يمتاز به المكوّن السُني.

فعليًا، كلامُ هؤلاء يصبح منطقيًا أكثر في حالة الولوج إلى التاريخ، الماضي والمعاصر وفي نسبة معينة الحاضر ايضًا، حيث يفرغ عن أكثر من حالة مشابهة تمّ فيها إختيار رؤساء حكومات من خارج ما هو مطروح. أحدثها تسمية تمّام سلام وأقدمها تسمية الراحل شفيق الوزّان، وهذه لا يمكن فك وثاقها عن محاولاتٍ تجري حاليًا لتعبيدِ الطريق أمام حالات تكليف تتراوح بين فؤاد مخزومي وجواد عدرا أو محمد الصفدي وبين سمير حمود وأسامة مكداشي ووليد علم الدين!

وعلى هذا النحو، تصبح الاحتمالات مفتوحة وليس من الضروري، أن تمر إلزاميًا بـ”جناحِ الكبار” بدليل مرور “عاصفة وهاب – شاكر” بقدرٍ وافٍ من الانزعاج الذي تكوَّن على درب بيت الوسط في ذلك الزمن لتعود اليوم وتشرع الأبواب على احتمال حقيقي يستقي قوته من حالة التفلت السياسي القائمة حاليًا حول شبهات تتصل بدور رئيس حكومة تصريف الأعمال “المستقيل”.

لكن المشكلة، أنّ شاكر البرجاوي، صاحب الصولات والجولات أيام الحرب “صوفته حمراء” تقريبًا لدى سائر المقار السياسيّة، يُضاف اليها “رشّة” غيرة سياسيّة من أبناءِ الجِلدة، وأفصح تعبير عن “الصوفة” الرسالة النارية التي ألقيت في غرفة نومه على شكل رصاصة من رشاشٍ حربيٍّ “مجهول – معلوم المصدر” إستقرّت قرب سريره أثناء تواجد زوجته في الغرفة!

بيد أنّ رسالة النار ليست الوحيدة، فقبل أيام، وقع نظر مرافقيه على كمية من السباب والشتائم منقوشة على لوحة حديديّة تدلّ إلى منزله في دوحة الحص، أمرَ البرجاوي “جماعته” بإزالتها فورًا منعًا للإنجرار خلف ما يُحاك، وفي هذه المرحلة، أُجبِرَ على تعزيز أمنه الاستباقي في محيطِ منزله.

وليس سرًا، أنّ البرجاوي الذي اُخبِرَ بضرورة إتخاذ أعلى درجات الحيطة والحذر في هذه الفترة بما فيها تنقلاته وإعتماد حركة “ذات دقة أمنيّة”، لم يشر لا هو ولا المقربين منه، ولو لمرة، الى إشارات حول وجود “رغباتٍ حكوميّةٍ لديه”، ورغم ذلك، تعرَّض لاستهدافٍ صريحٍ ما شرّعَ الابواب على إحتمال أن تكون الرصاصة عبارة عن “رسالةِ منعٍ أو تحذيرٍ”، وأنه بالنسبة إلى خصومه يُمثّل حالة تحدٍ وتهديد حقيقية.

وللمصادفة، نقلته تلك الرسالة نحو بلوغ سلّم الاحتمالات الجدية على سلّم “الخيارات البديلة” للثامن من آذار.

صحيحٌ، أنّ الرسائلَ تلك تصبح مدار شكوك كونها تحضر في منطقة مصنفة تقريبًا “دبلوماسية” نظرًا لمن يستقرّ فيها من سفراءٍ عرب ووجوهٍ سياسيّة وإعلاميّة وإقتصادية معروفة، لكن في المقابل تفسّر على نحوٍ سيءٍ كون من أقدمَ على إرسالها، ربما يتحسَّس “رأسه السياسي” وتوفر الخطر النوعي الذي يُهدِّد بإطاحته.

في الواقع، إنّ حزب الله، أقلّه في المدى الحالي، لا يرغب في حكومةِ “مواجهة” من طراز “اللون الواحد”، لكن الاحتمال ليس منزوعًا من رأسه أو رأس حلفائه وشركائه في الثامن من آذار، الذين فتحوا منذ بدءِ “أزمة الاستقالة” نقاشًا عميقًا مع الحزب يقوم على سياسةِ تفضيل خوضِ المرحلة بحكومة “مواجهة” لكونها محكومة بسيناريو إسقاط سلاح المقاومة عبر استخدام واستثمار الشارع!

لكن طبعًا، خيار المضي في “مواجهة” من هذا النوع لها عواقبها السلبيّة ولها ايجابيّاتها أيضًا، والأكيد، أنّها تحتّم وجود شخصٍ من هذا الطراز، لذلك يُعاد “آذاريًا” تعويم إسم شاكر البرجاوي (أو من يزنه) كمقترحٍ قابل للمناقشة.

المتحدّثون بهذا المذهب، يبنون اعتقادهم على خلو جعبة البرجاوي من “محاور الاستغلال السيء” التي قد تفيد في كبحِ حضوره أو سياساته من خلال استثمار ومراكمة أسباب الضغط ضده، على اعتبار أنّ “أبو بكر” لا حسابات بنكية أو أصول مالية لديه، لا داخليًا ولا خارجيًا، ولا مصالح تجارية ولا شخصيّة ولا شركات ولا غير ذلك، وعلى هذا النحو يصبح متحرِّرًا من عوامل إستخدام الضغط التي قد تؤثر على سياساته.

لا بل أنّ البرجاوي أو من على وزنه، في مقدورهم مثلاً، تفسير إقتراحات السيّد حسن نصرالله التي أعلنها خلال إحتفاليّة “يوم الشهيد” واقعيًا من دون أي خشية على مستقبل سياسي أو مصالح خاصة، بدأ من إستخدام سلاح النازحين السوريين وصولاً إلى الربط الاقتصادي مع الصين أو روسيا وخلق إقتصادٍ موازٍ، لسببٍ وحيدٍ، يكمن في خلوّ جيناتهم السياسيّة من أيّ رواسبٍ تصلح للاستخدام من أجل الترهيب.

لكن في الواقع، يبدو أن تفكير حزب الله أو الطقم السياسي المُقرّر داخل الثامن من آذار، يجنح صوب نفضيل حكومة التكنو-سياسة، على قاعدة وجود الحريري أو من ينوب عنه وفرض عليهم منطق المشاركة في الحكم للتشارك في تحمل تبيعات الأزمة ومن ثم الحل.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة