الأبرز

رعبٌ في الشارع… جعجع يتقدَّم!

يتنامى الإحساس في بيروت عن وجودِ مخطّطاتٍ لحرفِ “الإنتفاضة الشعبية” عن وجهتها الحقيقية.

ما يزيد من هذا الشعور، تطوّر الأمور في الميدان باتجاه حصول مبارزات تحمل طابع الشارعَيْن، وسط خشيةٍ من أن يكون النموذج الذي بدأ يطل برأسه مع دخولنا المرحلة الثانية من عمر الحِراك، يرمي إلى تعويم منطق الفوضى على بيروت.

صحيح، أنّ الشارع المُعتصم في شوارع المدن لا يبدو أنه مُبادر إلى خلقِ إشتباكٍ “ميدانيٍّ” مع شارع السلطة، لكنَّ الوقائع المجتمعة خلال ثمانية أيام من “الانتفاضة”، تُظهر، أنّ الخطاب المرفوع بحد ذاته، يُشكّل رافدًا لإستفزازها. هذه الأخيرة بطبيعة الحال، تجد نفسها معنية بالتخفيف من زخم الميدان كمقدّمة للحدّ من إنتقاده أو جذب المواطنين إليه.

ثم أنّ البعض، باتَ يعتبر أنّ المدّ في عمر الحراك الشعبي، قد يستبطن أمورًا مخيفة، كجذبِ السفارات نحوه على سبيل المثال، ولاسيما أنّ تلك التي لديها أجندات مواجهة مع طرفٍ لبنانيٍّ ويهمها إيجاد ميدانٍ كي تُعزّز تسويقها وربما تطبيقها.

صحيح، أنّ الميادين اللبنانية مشتركة في الموقف من التظاهر، لكن الاكيد أنها مختلفة في طبيعة تكوينها وتحمل تناقضات سياسية نافرة، ما يعني أنها تمثل “بيئة صالحة” للاختراق.

مشكلتنا مع الأحزاب وتحديدًا الممثلة لهذه السلطة أو التي تُعد رافدَ قوة لها، أنها لم تستوعب بعد أن ما يحدث في الساحات هو كناية عن غضبٍ جماهيريٍّ متراكم وصلَ إلى حدودِ الانفجار، وأنّ من يقود الدفّة هم شُبّانٌ متعطّشون للتغيير لا أيادٍ خبيثة سعت إلى “زلقِ” لبنان نحو حفرة صراع، بدليل شهادة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله عقب يومين على التظاهرات:”لم تحركها سفارات”.

المريب، أنّ من يفترض بهم أن يأخذوا هذا الخطاب بعين الإعتبار، سرعان ما تجاوزوه بإتجاه “فرض أمرٍ واقعٍ” في الساحات، ممثلاً بفرض نموذج خطابي بالقوّة يُعاكس ما يدور الحديث حولهُ بين الجموع ما يؤسّس إلى نفورٍ ثم إلى شارعَيْن مقابلَيْن ، بالاضافة إلى بعدٍ آخر يتمثل في محاولة “فرط” الساحات بالقوّة تحت عناوين “معيشية”، مشابهة لما يحمله المعتصمون.

صحيح، أنّ القوى الأمنية تتعامل على درجة رفيعة في الحيطة، لكن في ساحات أخرى، كالنبطية مثلاً، ثمّة وقائع تشير إلى ضلوعها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، بتوفير ارضية لـ”فرط الشارع” من خلال تفاهمات يتم إبرامها بين مسؤولين حزبيين و رجال أمن من تحت الطاولة.

وهنا يبرز سؤال، هل أنّ التفاهم عُقِدَ بين طرفي تقاسم “سلطة التسوية” في أن الثاني يتبنى الصمود في الحكومة ويساهم في تقطيع المرحلة، بينما يذهب الأول باتجاه تنفيذ الإجراء الميداني في الشارع عبر وضع التظاهرات أوزارها؟

ما يبرِّر هذه التساؤلات، وضع بعض الأحزاب يدها على معلوماتٍ منذ اليوم الخامس للاعتصامات، تشير إلى وجود أحزاب وتيارات تُراهن على حرف المسيرات الشعبية باتجاهات سياسية، ما شكّلَ حالة تثبيتٍ لهذه المزاعم، ما توفّرَ لدى المعنيين خلال إعتصامات “المنطقة الشرقية” (إن جازَ التعبير)، التي تناولت في جل الديب مثلاً، حزب الله وأمينه العام بكثيرٍ من السوء.

طبعًا، المدقّقون في المعلومات، كان همهم إجراء فحص “سكانر” من أجل تفسير الظواهر المتوفّرة أمامهم. وليس سرَّاً، أنّ إحدى الدوائر الدبلوماسية في بيروت، وفّرت معلومات حول نشاط مريب تقوم به سفارة عربية وأخرى غربية بإتجاه حزبٍ يقود التظاهرات.

هذه المعلومة، رُبِطَت مع التغيير الواضح في مجرى سير إحتجاجات “الزوق وجل الديب”.

ما زادَ الطين بلة، ملاحظة هذه الأطراف مساعدات لوجستية تقدَّم إلى جهة مُحّددة في التظاهرات من قبل جهاتٍ يجري التحفظ على ذكرها. وهو ما لم ينفَه قيادي في حزبٍ حديثٍ مشارك في الحراك.

على هذا الأساس، ينمو إعتقادٌ لدى حزب الله على وجه الخصوص، أنّ ما وراء الاستثمار في التظاهرات محاولة تأسيس لاسلوبِ ضغطٍ جديدٍ، من خلال الشارع، قد تبلغ تأثيراته مناطق نفوذه، كالجنوب مثلاً، يعني أن تعمَّم مثل هذه الظواهر.

المشكلة، أنّ الحزب الذي نفضَ يديه من “غزوة الموتوسيكلات” في بيروت، كأنه تبنى “موقعة النبطية” مع ظهور مؤشرات نحو ضلوعه “تنظيميًّا” فيها. فإن صح هذا التقدير، يكون الحزب قد بدأ بورشة “التحصين الذاتي” الداعية إلى إعادة المناعة إلى شارعه عبر عدم ترك الثغرات مفتوحة من خلال الاعتصامات.

من الواضح، أنّ الحزب يتعامل مع المشهد الحالي وكأنه محاولة للانقضاض عليه، لذلك، وجّه الإتهام الصريح إلى قيادة “القوّات اللبنانية”. والمشكلة، أنّ هذه ليست معفيّة من الاتهام، بحيث أنّ قلب الدكتور سمير جعجع لجيناتِ التظاهرات مسيحيًّا وتحويلها باتجاه حزب الله والتيار الوطني الحر، فيه شيء من تقديم أوراق الاعتماد، أو ربما، عودة إلى منطق توظيف الذات الذي دأب عليه جعجع، على كونه الجهة الصالحة الوحيدة في 14 آذار القادرة على مواجهة حزب الله!

لكن ثمّة خيط رفيع يجب أخذه بعين الإعتبار، فإن صحَّ توجّه الحزب إلى “ضبطِ الشارعِ”، يكون بمعنى آخر يؤهّل لإنزلاق هذا الشارع نحو “العصيان” ويرفع من نسبِ تلقّف الظواهر الغريبة، إن من باب “النكاية” أو “التحدّي”، وهو أمرٌ يجب الالتفات إليه بدقة.

والأخطر، أنّ بعض من هم في السلطة اليوم، يحذِّرون من الانجرار خلف سيناريوهات كهذه، خشية من تحوِّل الازمة الى أخرى طائفية من بوابة قيادة “الشيعة” لمظاهر تفكيك التظاهرات، ما قد يؤدّي إلى “عسكرةٍ” في أكثر من شارع مقابل، لو أنّ الشارع اليوم يبدو بعيدًا من لغة المذهبة.

الثابت، أنّ الخشية التي تثير “نقزة” الجوانب السياسية كافة، يقوم على إحتمال “سَورَنة” المشهد اللبناني من بوابة الأزمة الراهنة.

 

 

 

 

 

 

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة