سعد الحريري بوجهٍ “إنتحاريّ”

قد يكون رئيس الحكومة سعد الحريري يُفتِّش عن تنفيذ عملية “إنتحاريّة”، أو إستشهاديّة بمفهوم قوى المقاومة، لكنّ المفارقة، أنّ تلكَ العملية لا تستهدفهم، بمعنى إستهداف خصومه السياسيين إن كانت ضمن ضفّته أو على المقلب الآخر، بل على العكس تمامًا، حيث أنّ الهدف “الدقيق والمُحدَّد” صوِّب نحو الجبهات المحتلّة.

حقيقة، ما فعله رئيس مجلس الوزراء خلال الأيام المنصرمة من خلال مواقفه، كان شبيهًا إلى حدٍّ كبيرٍ بمن يقود عربة مليئة بالمتفجّرات بهدف إقحامها في تحصينات العدو وإيقاع إصابات.

“سعد الحريري 2017 غير سعد الحريري 2018″، عبارة قالها رئيس الحكومة غداة “تحريره” من المعتقل السعودي!

ظنّ البعض، أنّ “بيّ السُنّة” يقول كلامه وهو تحت وطأة تأثيرات التجربة المُرَّة غداة خوضه “الريتز” أو بينما كان يمرّ بلحظة شعورٍ سياسي بطعم اليأس والغدر، ليتبيَّن لهم لاحقًا، أنّ الحريري يعي ذلك ولا يمزح!

والمفارقة، أنّ الرادارات الباحثة عن ذبذبات المُتغيّرات الحريرية، لحظت أنّ نظرية التطوّر لم تتوقف عن “لفح” “الشيخ سعد” بنظرياتها.

أتى عام 2019 حاملاً معه نسخ أكثر تطوراً، فالعديد من الاختبارات التي قيست على المسرح السياسي، اثبتت أنّ النسخة “الحريرية” المطعّمة الجاري تنفيذها حاليًا تفوق قدراتها تلك التي سبقت، بمعنى أوضح، أنّ عدوى الممانعة بدأت تظهر على شخصية “الشيخ سعد”!

خلال سريان مفعول العدوان الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت، إختبرَ الساسة طرازًا جديدًا من سعد الحريري، إعتمدَ محرّكه على قوّة دفع “مغناطيسيّة” ذات نزعة هجومية، وقد جرى خلالها استبدال أسنان “الحليب” بوجبة “أنياب” حادة، جعلته مقاوماً على الجبهة السياسية من الطراز الأوّل.

الصفة أعلاه تمتّعَ بها رئيس مجلس النواب نبيه برّي خلال حرب تموز 2006 وإلى جانبه رئيس الجمهورية الأسبق أميل لحود، بينما كان رئيس الحكومة آنذاك فؤاد السنيورة، المعترض اليوم على التغيرات الحريرية، يسرح على جبهات غير دقيقة سياسيًا.. هذا بالضبط ما يزعجه الآن.

وقد أوحى التقلّب الحريري، أنّ رئيس مجلس الوزراء ربّما يسعى إلى إستبدال موجته السياسية بأخرى تتلاءم وطبيعة التحوّلات الداخلية والحياة تحت سقف تسوية 2016، أو قد يكون يرمي من وراء ما يفعله، إلى “رشوة” الفريق الممانع رغبةً منه في إمساك ورقة التفاوض على ترسيم الحدود الجنوبية برعاية أميركية.

لكن وخلافاً لكلّ ذلك وللنظرة التي سادت بعد عودته من زيارته إلى واشنطن، لعب سعد الحريري دورًا مهمًا في تقديم وجهة نظر الدفاع عن لبنان، مركِّزًا ظهره إلى قوة الردع التي أسّستها المقاومة بالنار، متجاوزًا الخلاف السياسي معها، ومتجاوزًا أيضًا ما سمعه في واشنطن حول تشديد الملاحقات على حزب الله.

آنذاك، العديد من الصحف خرجت باستنتاجات “خاطئة” حول موقف حزب الله من زيارة الحريري إلى العاصمة الأميركية وانزعاجه منها والإحياء بشكوك تسلّلت إليه تنمّ عن خشيةٍ من ما خاضَ به الحريري هناك.

وخلافاً للذي اُشيع، أوحى إستطلاع أجواء زوار حزب الله، أنّ هذا الأخير إرتكزَ حيال تكوين انطباعه حول الزيارة الأميركية على ما سمعه من الحريري بعيد عودته، من خلال الاستثمار بأدوار وزير الأشغال يوسف فنيانوس. وقد حمّل الحريري الوزير النشيط على خط الضاحية إحاطات حول ما سمعه خلال زيارته، مع تشديد على إيصالها بكافة جوانبها وتفاصيلها إلى قيادة حزب الله.

بدا حزب الله مرتاحًا حيال الوجه الجديد للحريري، وزوّار الحزب المقرّبين، يؤكدون ذلك، ويزيدون أنهم لم يسمعوا من المسؤولين الحزبيين أي كلمة تنتقص من دور الحريري، بل على العكس تمامًا، كانت الاشادة واضحة مذيلة بعلامة “ممتاز”.

هذا الجو تعزّزَ خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على الضاحية. بدت على الحريري علامات الانزعاج من الأسلوب الإسرائيلي الذي تلاعبَ بالأمن الداخلي، وأدركَ سريعًا، أنّ تل أبيب تريد تسخير بيروت لردود أفعال أو “تحرشات” تسعى خلفها.

فلجأ سريعاً إلى استنتاجٍ قامَ على أساس وجوب الوقوف في لحظة الدفاع عن لبنان ورفض التصرّفات الإسرائيليّة، أيّاً يكن المُدافع، وهو ما نقله من الكلام الشفهي إلى الفعل التنفيذي على طاولة مجلس الوزراء، حين عالج الاعتراض “القواتي” بطريقة “فجّة”، وقبله في مجلس الدفاع الأعلى، حين بنى موقفه على قراءة حزب الله واستنتاجاته.

سعد الحريري لا يستكين، إذ عَمِلَ طوال إسبوع، على تحريك كل علاقاته الدولية في سبيل تقديم وجهة نظر لبنان حيال ما جرى، وتحميل إسرائيل وحدها عواقب النتائج لا حزب الله “المُعتدى عليه” بنظر رئيس الحكومة، وهو تمامًا ما فعله رئيس الجمهورية ميشال عون ووزير الخارجية جبران باسيل ومن خلفهما حزب الله من خلال محنة رئيس تيار المستقبل في السعودية، فبدا وكأنّ الحريري يردّ الجميل!

كذلك، فإن المتنوّرين في السياسة، لاحظوا، أنّ الأسلوب الذي استخدمه سعد الحريري للردّ على الاعتداء الإسرائيلي وتقديم وجهة نظر لبنان، كان شبيهًا إلى حدٍ كبيرٍ بالأسلوب الذي كان يستخدمه والده الشهيد رفيق الحريري في كل مرّة يحصل فيها عدوان على لبنان أو حزب الله.

وعليه، بنى هؤلاء إستنتاجًا يحتاج تأكيده إلى تدعيمٍ إضافي، قام على فرضية “تكويع سعد” من محورٍ إلى آخرٍ كما فعل والده، ولكن مع درجة حيطة مدروسة أكثر.

 

 

 

 

 

 

 

 

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

بعبدا لن تتراجع… ماذا عن حزب الله؟

فاجأ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون مختلف الاوساط السياسية والاعلامية بعدم توقيعه على المرسوم الذي …