الأبرز

عندما أطاح العهد بقضاة العهد

الآن، ومع رفع مسودة التشكيلات القضائية إلى منصة الإقرار، بات يُمكن القول أن العهد بدأ يسلك مساره الإنحداري ذلك قبل عام ونيف عن بدء منازلة تحضير وتجهيز البديل، وعلى الأرجح أصبح يفتقد إلى كل مواقع القوة التي أسسها في مستهل مشواره.

يقول العاتبون على رئاسة الجمهورية من “أهل الدار”: “مؤسفٌ ما حلّ بالعهد أخيرًا. بتنا اليوم أمام واقع مكرس لا نحمده. لا الجيش محسوب على ثقل الرئيس كما يجدر أن يكون ولهذا اسباب عدة. لا رجالات الأمن من المحسوبين عليه استمرّوا معه اللهم بإستثناء أمن الدولة. القضاة الذين أتى بهم تفرقوا عنه بفضل تخليه عنهم في الأساس.

والتحسّر يجر إستغرابًا من السلوك الذي أتمه العهد مع من يفترض أنه فريق صمم لأداء المهام خلال ستة سنوات مقبلة بعد ستة أولى قضاها عون في القصر! وبصرف النظر حول إمكانية حدوث هذه الفرضية التي تبقى مجرد تكهنات، كيف سيحكم الخلف المفترض الذي يشهد على إضمحلال الثقل العوني بالتشكيلات القضائية المطروحة؟

يقول العارفون أن باكورة الإحتكاك بين الرئاسة والقضاة بدأت فعليًا بين مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس ومدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان.

وقتذاك وفي حمى إستعار المشكلة التي نشأت عن موقع جرمانوس المحسوب على العهد، وقف هذا الاخير ومعه الرئيس على الحياد حين اخذته الحمية يومها للتصريح أن “ليس للعهد قضاة”. في المقابل، تظافرت جهود أركان الطائفة السنية ووقفوا خطًا واحدًا خلف عثمان، لذا تسبب “الانحراف الرئاسي” عن القاعدة بإعطاء انطباع أن الرئيس غير معني بالقضاء ولا تستوقفه حساسيته.

كان لهذا التوجه أثمان. في السياسة بدا للآخرين أن الرئيس غير آبهٍ بمراكز ثقل أساسية لا بد أن تكون منضوية ضمن تركيبته. لذا، أدركوا أن في إستطاعتهم متى أرادوا إستبدال قاضٍ من دون أي إعتراضٍ من جانب العهد الذي سيرضخ في آخر المطاف ربطًا بأن لا قضاة لديه، العبارة التي يعود لها الفضل في “تربيطه”.

في المرحلة الثانية كان لاقتراحات من أخذهم العهد محسوبين عليه قضائيًا مفاعيل سلبية أثبتت لاحقًا أنها أضرت الرئيس ولم تنصفه، كحين نجاح وزير عدل أسبق بإقناع الرئيس بإستبدال رئيس المجلس القضاء الأعلى جان فهد بالقاضي سهيل عبود المعروف بمدى قربه من دائرة الرئيس سعد الحريري.

من المعلوم أن علاقة القاضي فهد بالنائب جبران باسيل لم تكن جيدة بشهادة العارفين. هذا وفر سهولة في استنساب غيره إلى مركزه لاحقًا. شيء أقحمَ الشخصي بالسياسي وأسقط أوراق قوة كان لا بد للرئيس أن يمتلكها.

مرجع قضائي يكشف أنّ رئيس الجمهورية سبق له وأن طرح في تلك الحقبة تغييرًا مزدوجًا يقضي باستبدال فهد ضمن “بكج” يشمله مع النائب العام التمييزي حينها القاضي سمير حمود، لكن سعد الحريري الذي كان يتولى رئاسة الحكومة وقتذاك رفض لشمول الاقتراح موقعًا سنيًا.

لكن فكرة الاطاحة ب”فهد” لم تغادر عقل فريق العهد الباطني. انتظر إلى حين إنتهاء ولاية القاضي حمود لتتهيأ الظروف، في هذا الوقت كانت المعلومات تتقاطع إلى عبود لوجود اسمه على قائمة المستنسَبين.

يذكر المرجع القضائي أن القاضي عبود قصد قبل إندلاع إنتفاضة 17 تشرين منزل جبران باسيل، واسمعه كلامًا طيبًا عكس وجهة النظر المبدئية حول ميوله السياسية، مما ازال العوائق الماثلة أمام تعيينه لاحقًا.

إلا أن أحدًا لم يكن يتوقع إندلاع شرارة “الانتفاضة” التي حملت معها تغييرًا في الموازين أجبرت القاضي عبود على تغيير نهجه، شيء كان أن العهد أول من تجرع سمه وخلق مزاحمًا مارونيًا جديدًا على الرئاسة.

لاحقاً، فرض الواقع السياسي نفسه وأنتج حكومة مختلفة من حيث الحضور، زادت من تخبط العهد تخبطًا. جاء بوزيرة عدل مشهود لها بعلمها انما مشهود لها ايضًا بقلة خبرتها وحنكتها السياسية ومعرفتها بأروقة قصور العدل. في البداية صرحت أنها تحترم السلطة القضائية وان اي تشكيلة ستقوم بتوقيعها. هذه الاشارة كانت كافية لتتخذ المجموعة القضائية المناوئة للعهد القرار بتنظيف قصور العدل من “بقايا الرئيس” على النحو الذي يرونه مناسبًا.

في البداية، أتى الخيار على إجراء مناقلات “ثأرية” من قضاة العهد عكس ذلك في مسودة التشكيلات التي أوصت بنقل القاضية سمرندا نصار من الشمال وغادة عون من جبل لبنان فضلًا عن أسماء أخرى أقل فعالية والمجيء بنائب عام في بيروت ومفوض الحكومة في المحكمة العسكرية على علاقة مباشرة بالنائب العام التمييزي الجديد.

ما يعنيه ذلك، أن الاقتراح “فرّغ” التشكيلة من نفوذ الرئيس مما أدى بحسب قاضٍ مطلع إلى “فكفكة التركيبة التي وضعها الوزير السابق سليم جريصاتي” وبالتالي بدأ مشروع تراجع العهد والابقاء من ناحية اخرى على تركيبات تعود إلى الزعماء التقليديين.

يضيف القاضي ان “التجاوزات القانونية المتكررة التي قامت بها القاضية غادة عون، من اعتقالات وتوقيفات غير مبررة وتحقيقات دامت شهورًا بظروف اعتقال غير قانونية بتاتًا وقولها أنّ لديها ملفات قابعة في جواريرها، جعل منها عبئًا ثقيلًا على العهد أكثر من كونها ربحًا ولو إنه لم يعترف، بدليل أن ما افتعلته مؤخرًا من استحضار مزيدًا من الشرخ في الجسم القضائي إثر تشكيل تجمع قضائي رديف لنادي القضاة اغضب الرئيس، الأمر الذي يدفعنا للقول ان السلطة القضائية في لبنان باتت على فوهة بركان.

يرد مرجع قضائي كبير كل الذي يحدث إلى الأخطاء التي وقع بها العهد، قائلًا أنه “انه لم يسبق لعهد في لبنان ان ضرب هذا الكم من القضاة الموارنة الكبار، فأتى على ضرب القاضيين شكري صادر وبيتر جرمانوس اللذان دفعا إلى الاستقالة، ثم أزيحَ رئيس مجلس القضاء الاعلى جان فهد من منصبه والذي خلافًا للعرف قَبِلَ أن يبقى قاضيًا من دون موقع يجلس في إحدى غرف وزارة العدل، مقابل وضع الغطاء عن القاضي سهيل عبود الذي ابلغ يومًا ما انه يستطيع ان يقوم بالتشكيلات التي يريدها.

وعلى ذمته ان الاسلوب المستجد الذي أعتمدَ أفقد “جماعة الرئيس” الصلاحيات في إصدار تشكيلات حرّة ورهن قرارهم لغيرهم فـ”طلعت التشكيلات على حسابهم”.

والآن، حامت القصة ودارت ووصلت إلى الرئيس. يختم المرجع ممرًا خشيته من أن الذي يحضر للرئيس إعلاميًا في حالة امتناعه توقيع التشكيلات وهناك سابقة مع الرئيس أميل لحود لا يقل عن تجهيز الارضية للكباش السياسي الذي يقوم على مشروع إبراز نقاط فشل العهد قطعًا للطريق أمام إحتمالات تمديده. فرفض الرئيس سيكون كما يطلق النار على قدميه، وفي حال توقيعه سيكون كمن يطلق النار على رأسه إذ لا يعود له أي قرار داخل السلطة القضائية.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة