الأبرز

عن غارة جديدة يابوس وسلاح حزب الله “السرّي”

الآن، يُمكن القول أن إسرائيل باتت تلعب “على المكشوف” مع حزب الله. الأمر لا يتعلق بتعديل قواعد الاشتباك. شيءٌ مرّ عليه الزمن منذ حادثة عقربا في سوريا ثم معوض في الضاحية العام الماضي. الموضوع ذات بحث أعمق يتصل تحديدًا بـ”حرب المستقبل” أو “الحرب بالتقنيات الحديثة” التي تخشاها تل أبيب.

في تقدير المتابعين، أنّ العدو أنجز التعديل على شقه العملاني من قواعد الاشتباك مع حزب الله، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن يكون الحزب ملزم بها أو خاضع لها بل على العكس، هو ماضٍ صوب إجراء تعديله الخاص على نحوٍ عميق في شقه منها، وإسرائيل تعي جيدًا ماذا يعني أن يدخلَ الحزب تعديلًا على قواعدِ إشتباكهِ.

في تل أبيب يُطلق على ما يجري في الميدان الآن “المعركة بين الحروب”. مصطلحٌ إسرائيليٌّ إبتكر للدلالةِ على الحرب ذات الأبعاد الأمنية – الإستخباراتية التي يُمكن إسقاطها على واقعنا الحالي بدقةٍ، ذلك أنّ المعركة المُخاضة اليوم بشكلٍ صامتٍ على جبهتَيْن ما هي إلّا تمهيد أو إستباق أو أنها بمثابةِ ترتيبٍ مبكرٍ لمسرحٍ عملياتي سيتحوّل لاحقاً إلى أمر واقع.

طبعًا، يُدرك الإسرائيلي جيدًا أنّ ظروف حرب تموز – آب 2006 تغيرّت سواء من حيث الأسلوب أو التقنيات. يفتش الإسرائيلي عن التقنيات الخفية التي يمتلكها الحزب وقد يستثمرها في أي جولة عسكرية قادمة، أو على نحوٍ أدق يبحث عن كيفيةِ ردعه لحرب مستقبلية يُمكن أن تستخدم فيها أدوات تكنولوجية حديثة ودقيقة لم يألفها. الموضوع لا صلة له بتاتًا بالخشية من الصواريخ الدقيقة مثلًا. أصلاً، هذه الصواريخ بإعترافٍ إسرائيلي بحت باتت في المتناول، أي أنها أصبحت خارج أي بحث.

ما يهم إسرائيل اليوم أن تضعَ حدًّا لسلاحٍ اكتشفت وجوده مؤخرًا لدى المقاومة يُمكن تسميته “سلاح المُسيّرات” رغم أنّ الحزب متكتمٌ لدواعٍ تتصل بأسراره العسكرية.

في العقل الأمني الإسرائيلي، السلاح المذكور ثبت توفره في اليمن وأثبتَ جدارته، وربطًا باحتمال وجود دورٍ لحزب الله هناك يخشى الاسرائيلي من نقل السيناريو اليمني وتطبيقه في بيروت أو نقل “الجدارة” إلى لبنان وتوظيفها في أي معركة محتملة مع إسرائيل، لذلك، فإنّ تل أبيب محتارة في كيفية وضع حدٍّ “لسلاحٍ متفلتٍ” تعتقد أن الحزب يطوره.

قبل أعوام عدّة، إتضحَ أنّ الإسرائيلي نقل معركته الأمنية مع حزب الله من نمطٍ تقليديٍّ إلى آخر متطور. بمعنى أوضح، أخذ يبحث عن “اسلحةٍ غير تقليدية” قد تكون متوفرة لدى حزب الله أو هو في صددِ البحث عنها. عمليات الاغتيال الأخيرة لمقاومين في عقربا ولاحقًا في جنوب لبنان وأمس الأول في سوريا تشي بهذا التحول، وعلى الأرجح لا يُمكن فك إرتباطها عن بعضها.

خلال العام الماضي، إستدركَ السيد حسن نصرالله التطورات الجارية. غداة إسقاط المُسيّرة فوق الضاحية حذَّرَ من سلاحِ المُسيّرات وأحاط الجميع علمًا أنها قد تتحوّل في المستقبل القريب إلى سلاحٍ لتنفيذ الاغتيالات، أي أنّ نصرالله تنبأ بحدوثِ ما جرى أمس الأول في جديدة يابوس قبل موعده، لذا نحن اليوم أمام واقعٍ مختلفٍ.

بمعنى آخر، نقلت تل أبيب المواجهة إلى أساليب جديدة قابلة لتدشين مرحلة أخرى مختلفة، لذا كان نصرالله واضحًا وقتذاك حين أعلن أن حزب الله سيعمل على إسقاط المُسيّرات حين تدخل المجال اللبناني” تاركًا للمقاومة تقدير الظروف.

ما جرى أمس الأول في جديدة يابوس من حيث أبعاده يتصل بما حذر منه نصرالله وما تبحث عنه إسرائيل لو أنّ البيان الرسمي لم يكشف غموض الإستهداف. المعلومات المتوافرة تفيد أنه حصل على مرحلتين. الأولى سقط صاروخ أمام سيارة الشيروكي السوداء فإندفعَ من هم فيها إلى الخارج. الثانية قامت المُسيّرة باستهداف الجزء الخلفي للسيارة بعد خلوها من ركابها.

حزب الله قارئ جيد للرسائل. في الشق الأول، يبدو واضحًا أنّ إسرائيل تعمَّدت عدم إيقاع إصاباتٍ في صفوف الركاب. وطبعًا، الجميع يعرف مدى دقة الصواريخ التي تُطلق من الجو. اقتصرَ الأمر على إيصال رسالةٍ مفادها “نحن نعلم بتحرّكاتكم، ونراقبكم”.

في الشق الثاني، إسرائيل تخشى من ردِّ فعل المقاومة في حال سقوطِ إصابات. بخلافِ ما يُقال أنّ بنيامين نتنياهو يُريد نقل المعركة إلى لبنان كنتيجةٍ للقحطِ السياسي في تل أبيب يبدو واضحًا أن لا مصلحة لاسرائيل الآن بإفتتاح جولة مع حزب يصعد سلم التطور بإنتظام ثم أنها تجهل إمكاناتهِ الحالية.

أمرٌ آخر، أنّ إسرائيل حريصةٌ على عدم إعطاء صفةِ المصداقية على خطاب السيد نصرالله. الصيف الماضي تنبّأ بوظيفةٍ عملانية للمُسيّرات هي الاغتيالات. تل أبيب لا تريد أن توقع إغتيالًا كي لا تعطي ذريعةً أو مصداقية لتنبّؤ نصرالله، وجميع المتعاطين في الشأن الاسرائيلي يعلمون مدى حرص إسرائيل على “تكذيب السيد”. أي أننا عدنا إلى أساليب الحرب النفسية!

ما يُمكن استنتاجه توسيع تل أبيب لرقعةِ نشاطِ “سلاح المُسيّرات” لديها أنها تُعاني من أزمة على صعيد المصادر الميدانية التي كانت تعتمدها سابقًا، أي العملاء، وهذا يعود لأسبابٍ عدّة. إما أن المقاومة نجحت على الأقل بتوجيهِ ضرباتٍ قاسية إلى هذا الجهاز فأخرجته عن الخدمة، أو أنّ تل أبيب إتخذت القرار بتجميدِ حضوره وتحويله إلى “خلايا نائمة” خشيةً منها على مصادرها. في ضوءِ ذلك، يُمكن قراءة مدى الاحتكام إلى قدراتِ المُسيّرات في تنفيذِ المهام الاستعلامية.

لكن السؤال المركزي يبقى: هل الاستهداف الذي حصل يتصل ببرنامج اغتيال المقاومين المرتبطين بـ”السلاح السرّي”..؟

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة