الأبرز

عن “كلمة السرّ” الفرنسية

أفرطَ رئيس الجمهورية ميشال عون في الثناء على بدء ورشة التنقيب عن النفط في عرض البحر، وهو حقه ما دام ساهم على نحوٍ واضحٍ في السعي للوصول إلى هذه المرحلة، رغم أن البعض يكثر عليه ذلك بدعوى أن عون “يُكبّر حجره”!

وعلى النحو المشابه، أفرطَ منتقدوه في تلاوة محاضرهم القائمة على منطق الهزيمة وإدعاء ما يستحيل ادعاؤه عبر سلب عون وتياره السياسي الأتعاب المترتبة عن خوضهم غمار هذا الحقل.

قد يقول البعض، أنه من المبكر الآن الحديث عن دخول لبنان نادي الدول النفطية بحكم أن عمليات الاستكشاف ما زالت في بدايتها وليس هناك من احتمالاتٍ واضحةٍ حول مدى وجود كميات تجارية تكفي للبدء بعملية الاستخراج، هذا فضلًا عن أنّ المشوار طويلٌ حتى بلوغ مرحلةِ الإنتاجِ.. وهذا حقٌ ايضًا.

في الحقيقة، فإنّ مسألة الشروع بورشة الحفر والتنقيب عن النفط والغاز لا يعود للبنان وحده حصرية إصدار الامر التنفيذي، وعلى الارجح، هناك دولٌ اصدرت موافقتها قبل ذلك أو بالحد الادنى غطّت إن لم نقل سمحت، ولو لم يكن هناك بالحدِّ الادنى جهة دولية واحدة على الأقل باركت خطوة لبنان لما كان أحد تجرأ على “ضرب ضربة”.

يُفهَم من ذلك، أنّ تحالفَ الشركات الثلاث الملتزمة أعمال التنقيب أي “توتال” الفرنسية و”إيني” الإيطالية و”نوفاتيك” الروسية، ما كانت لتكون لو أن جوًا سياسيًا لم يصدر عن الجهات الدولية المنتمية اليها، معناه أن ثمة رغبة أقله لدى ثلاث دول في مساعدة لبنان في مسار التنقيب.

وطبعًا، في الاقتصاد كما السياسة لا شيء مجاني. الدول الثلاث المعنية لديها حصة في حال اكتشاف كميات تجارية تصلح للاستخراج ثم الإنتاج، وبالتالي، هي تسعى خلف مصالحها أولًا بصرفِ النظر عن مصالحِ لبنان.

في ضوء ذلك، يُمكن قراءة المساعي والتصريحات الفرنسية بوضوحٍ، سواء التي تصدر من بيروت أو تلك الصادر من باريس وخارجها، والتي تشدد دومًا على مساعدة لبنان، وإلى جانبها طبعًا التصريحات الروسية المدعومة بإجراءاتٍ ميدانيةٍ على الارض، فيما تبدو إيطاليا بعيدة من حقل الاستثمار ولو أنّ طموحاتها السياسية أقل.

ولا يُمكن نزع غطاء أمر المباشرة في التنقيب عن المساعي المبذولة فرنسيًا لمساعدة لبنان.

في السياسة، لدى باريس مصلحة في استتباب الأمور داخل لبنان ودعم مشاريع التغيير فيه لكونه ما زال يصنف كآخر معقل للنفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط، وفي الاقتصاد لديها مصلحة في تأمين مواردٍ ماليةٍ جديدة لشركاتها تضعها مجددًا كدولةٍ على اللائحة الجيو-سياسية للمنطقة.

عطفًا على ذلك، نجد أن السياسة الفرنسية خصوصًا في المدة الاخيرة فتحت بكامل طاقتها تجاه لبنان، و العارفون بخفايا السياسة يتناقلون من دون همسٍ بعض مظاهر الاهتمام الفرنسي في بيروت التي دأب على زيارتها منذ مرحلة قريبة وفودٌ ذات توجهات سياسية – نفطية – مالية وحتى إعلامية كلها تدخل في المسار السياسي الذي أعادت فرنسا تفعيله في بيروت.

ما يعنيه ذلك، أنّ الاهتمام الفرنسي بالعاصمة اللبنانية مرتفعٌ. يتجاوز الموقف تصريح وزير المال الفرنسي برونو لو مير الذي قرأ بمثابة كلمة سرّ أوحت بوجود قرار بإطلاق يد “توتال” بأعمال التنقيب من بوابة إعلانه إهتمام فرنسا الكبير بدعم لبنان ودعوته لعزلهِ عن مسار العقوبات على إيران، فإذا جاء تحرّك “توتال” إلتزاماً بتنفيذ وعودها وفإن الحركة الفرنسية تصنف في دائرة الالتزام بشؤون لبنان.

ليس سرًا، أن الادارة الاميركية حاولت طيلة الفترة الماضية تأخير بدء أعمال الحفر من قبل الشركة الفرنسية وحلفائها بحجة ربط مسارات التنقيب بين البلوكات النفطية اللبنانية، لكن هدف واشنطن من ذلك كمن في تسخير مزيدًا من الضغط على بيروت لانتزاع تنازلات منها في ما خص ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل ما يحقق رغبتها في ما تريده من البلوك رقم 9.

لكن لفرنسا حسابات أخرى. تجاوزتها ومضت معلنة عن بنود سلم اولوياتها في ما خص دعم لبنان لا بل تنفيذه وفصل الملف الاقتصادي عن ذاك السياسي الخلافي بين أكثر من ركن مع بيروت، حيث أن الاولوية الفرنسية اليوم في بيروت هي الإنقاذ وبالتالي، فإنّ المباشرة سريعًا في أعمال إكتشافِ ثروات البحر يندرج ضمن هذه الخانة على المدى البعيد.

لقد أدركت فرنسا كما غيرها، أن ملف النفط في حال وصل إلى خواتيم سعيدة سيكون منقذًا صافيًا للبنان في حال جرى حسن استخدامه وسيعود بالفائدة طبعًا عليها بصفتها “شريكة لبنان”، وفي حال تعافي لبنان سيكون لدى فرنسا مصلحتين سياسية وإقتصادية طبعًا، وبالتالي، لا مصلحة لها الآن في التفريط بورقة لبنان لصالحِ جهاتٍ دولية أو اقليمية أخرى، حتى ولو كانت تتقاسم معها الخبز السياسي في أكثر من مكان.

لذا، يُمكن القول، أن فرنسا جادة في مساعدة لبنان سواء عبر سيدر أو غير سيدر، بوجود حكومة يرأسها حسان دياب أو غيره، لا يهم، طالما أن الهدف هو بلوغ المصالح العليا، وطبعًا ما دام النفط موجود، يعني أنّ الحقوق المالية التي ستُمنح الى لبنان على سبيل المساعدة والإنقاذ محفوظة!

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة