الأبرز

“فدرلة التظاهرات”.. مَن يطبخ السمّ لـ”قائد الجيش”؟

هناكَ من يعتقد، أنّ التحرّكات الشعبيّة تخرج عن السيطرةِ، أو أنّ ثمّةَ من يريد إخراجها عن السيطرة عمدًا كمقدمة لحرفها عن اتجاهها الصحيح الذي تمظهرَ في الأيام الأولى للانتفاضة، وهذا الشيء له عدّة أهداف، بعضها سياسيّ ويتمثّل في طبيعةِ المواجهةِ الدّائرة بين أركان السلطة أنفسهم، وبعضها الآخر داخليّ، إذ يعتبر من استهلَّ الدعوة إلى الحِراك، أنّ هناك شيئًا ما غير واضحٍ يجري ترتيبه من تحتِ الطاولةِ.

هذا التقديرُ نابعٌ من أمثلةٍ حيّةٍ موجودة في أكثر من مكانٍ، بعضها يختزنه الشارع المسيحي الذي ينزلق رويدًا رويدًا صوبَ مواجهة “أهليّة” واضحة المعالم، بحيث تسعى “القوّات اللبنانية” مثلاً، إلى حرفِ الوضعيّة الأساسيّة للحراك في إتجاهِ خلقِ “بيئةٍ من عدم الاستقرار” تتمثَّل في إقحامِ الشارعِ بمواجهة مثلثة الأضلاع، لا يسلَم منها العونيّون والجيش وحزب الله، وهذا يُعدّ بمثابة خروجٍ عن المنطقِ الأساس الذي دفعَ إلى التظاهر.

ما أثارَ “النقزة” في الأيّام الماضية ودفعَ الجيش اللبناني إلى زجِّ وحداته في حمّى الشارع، هو تعمّد القائمين على التظاهرات في المناطق المسيحيّة تحديدًا، “تمييز” تظاهراتهم بشكلٍ واضحٍ وصبّها في إطارٍ سياسيٍّ تقوم معراب على رأس خطابه. وقد أحصِيَ في كثيرٍ من الأماكن عودةً إلى لغةِ “المجتمع المسيحي”، في تحوّلٍ يبتعد عن المشهد الوطني للتظاهرات.

فضلاً عن ذلك، ثمّة تيقّن واضح، أنّ الغاية من إغلاق بعض الشرايين الأساسيّة كالاوتوسترادات الدوليّة في المناطق المسيحيّة، خلفه نيّة لـ”فدرلة التحرّكات”، عبر الاستثمار في خلق “هويّةٍ خاصّةٍ” لتحرّكات مُحدَّدة، والتي انفردت عن غيرها في أنها تُقام على تقاطعات رئيسيّة لا ساحات عامة، كما يجري مثلاً في طرابلس وصور والنبطية وبيروت وغيرها، ما يعني أنّ هناك منطقًا مختلفًا.

ثم ما أثارَ الريبة أكثر، أنّ من يقوم على “ثقافة التظاهر مسيحيًّا”، يستدعي تصرّفات تُشبه تلكَ التي اعتُمِدَت زمن الحرب. ففي بعض المناطق كالشفروليه مثلاً، عادت مظاهر الحواجز لتقتحم المشهد وتديره مع ظهورِ أفرادٍ يرتدون الزيّ العسكريّ “الزيتيّ” و ينسِّقون فيما بينهم بإستخدام الأجهزة اللاسلكية، ويعتمدون على نوبات حراسة و”بديل”، وهذا شيءٌ استثنائيٌّ يلفظه منطق التظاهر الحالي كليًا.

هذا المشهد، إستدعى إستفزازًا وإستنفارًا ليس فقط لدى الجانب المُقابل المتمثّل بـ”العونيين”، بل لدى القائمين على التظاهرات الأولى وعند الجيش اللبناني على السواء، الذي انبرى الاربعاء، ضمن حدودٍ مُعيّنةٍ، إلى محاولةِ اقتلاعِ هذه الظواهر، و”تحرير” بعض الشوارعِ من التفلّت، خاصّة وأنّها تُعيق وصول الناس إلى احتياجاتهم.

لكنَّ الجيش، في مثلِ هذه الحالة، يقف على فالقَيْن حسّاسَيْن. فالق استغلال البعض إجراءاته بنيّة إظهاره بمظهر “القامع” للتظاهرات، بخلاف البيانات التي يتوالى على صياغتها وتعميمها، وفالق الصمت والسّكوت، ما يُعرِّض مصالح المواطنين للخطر.

أكثرُ من ذلك، البعض يجنح صوب فرضيّة أكثر صخبًا، حيث يتلمَّس وجود مسعى أو أقلّه “نيّة” لتوريط الجيش في صراعٍ مع الأهالي، يقوم على جذورٍ سياسيّةٍ يريدها هذا البعض، ما أخذَ الأمور إلى زاوية اخرى “من يريد وضع الجيش بمواجهة الناس غصبًا؟”.

فـ”القوات اللبنانيّة” مثلاً، نشطت يوم الاربعاء عبر جيوش إلكترونيّة، في تقديمِ الجيش من خلال إجراءاته في جل الديب وغيرها، على أنه يريد “قمع المتظاهرين وإخلاءِ السّاحات بالقوّة”، مستدعيةً من أجل ذلك عبارات منمَّقة تهدف إلى قلبِ الرأي العام “المسيحي والوطني” على الجيش.

في المقابل، روَّجَ أكثر من طرفٍ أنّ ما يقوم به الجيش من إجراءاتٍ يأتي نزولاً عند طلب رئيس التيار الوطني الحرّ جبران باسيل.

والأخطر، أنّ هؤلاء المصطادون، أخذوا يربطون، من أجل تبرير خطابهم، بفرضيّة أنّ قائد الجيش العماد جوزاف عون، يُحسَب على خطِّ رئيس الجمهورية السياسيّ. وبهذا المعنى، يصبح منطقيًا، حريصًا على حماية العهدِ وملبٍ لرغباته!

العونيّون لم يكونوا أقلّ حدّة. البعض منهم، ذهبَ بإتجاه أوقح، حين بدأ يدعو إلى إجراءِ “فحصِ دمٍّ للجنرال” من أجلِ إختبار “ولائه السياسي وامتنانه لمن أتى به إلى منصبه”!، وهؤلاء إرتكزوا على مسارَيْن، “إما يقوم الجيش بواجبه ويفتح الطرقات ولو بالقوّة”، بصرفِ النظر عن العواقب المترتبة، أو فإنّ الحل يكون بمحاسبة “قائد الجيش” واعتباره شريكًا!

يسقط من ذهن الجانبَيْن، أنّ “القائد”، أو الجيش عمومًا، يتصرَّف في مثلِ هذه الحالات تحت منطقِ “الضرورات الوطنيّة”، أي أنّه لا يُفرِّق في التعامل بين منطقةٍ وأخرى. حيث أنّه في الجنوب على سبيل المثال، عمِلَ على تأمين موقفَيْن: حماية المتظاهرين من أيّ تدخلٍ بعدما تبيَّنَ أنّ أنصارَ تنظيمٍ سياسيٍّ يطبخون المآرب، وحماية مصالح الناس عبر الطلبِ من المعتصمين فتح الطرقات، وهذا ما حصل فعلاً.

كذلك في بيروت، حيث حرص الجيش على تأمين التظاهرة المركزية في السّاحتَيْن، وفي مكانٍ آخر، تولَّى مراقبة المتظاهرين واحتمال قيام البعض منهم بافتعال مشكلات. وعليه، فإنّ الجيش يتصرَّف وفق المصالح العليا وليس في واردِ الاصطدامِ مع أحدٍ.

لكن البعض، يبدو أنّه يريد “توريط” الجيش، أو ربما قائده، في مشكلةٍ مع الشارعِ، ربّما من أجل تصفية حساباتٍ سياسيّةٍ “تُعشعِش” في ذهنه الآخذ بالتصرّف في يوميّاته السياسيّة وفق منطقِ أنّ “جوزاف عون” هو مرشّحٌ رئاسيٌّ منافسٌ، رغم أنّ الرّجل يُنقَل عنه في كثيرٍ من المناسبات، خلوّ تفكيره من أيّ هدفٍ من هذا النوع.

وعليه، يجب “تشويه” صورته أمام الناس كمقدّمة لتجريده من هذه الميزة وتحويله الى متّهمٍ أو متورّطٍ في حمايةِ الطبقةِ السياسيّةِ، أي أنّه جزءٌ منها، أو أنّه أداة لدى بعضها، وهذا أمرٌ لا يستقيم في مؤسّسةٍ جامعةٍ!

 

 

 

 

 

 

 

 

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة