الأبرز

“كورونا” يقتحم زواريب السياسة في لبنان

حين إقتحمَ “كورونا” الزواريب اللبنانية تغيرت أحواله ودخل شيء من تعديل التركيبة عليه! ثمة من يرى في الوباء ذات الميول الشيطانية جزيئات “أقل وحشية” منضوية ضمن جيناته ذلك أنّ الفيروس حمل معه إلى الطبيعة اللبنانية حلولًا ما كانت لتحصل من قبل، ما قد يجد البعض سببًا إلى مدحه وربما نصب التماثيل له!

من جملة ما خلفه وباء كورونا موضوع العفو سواء كان خاص أو عام، الذي كان مطوقًا بحبالٍ سياسية عمرها من عمر إنطلاقة عجلة العهد الحالي الذي لم يعثر ولو على بابٍ واحدٍ لتمريره رغم أن سقفه كان مرتفعًا إلى الحدود القصوى زمن الانتخابات اللبنانية يوم بلَّت جميع الأحزاب تقريبًا يدها به.

في “عهد كورونا” تغيرت الأحوال. بات الممنوع مرغوبٌ. في زمن الزحفِ، استيقظَ السياسيون على حقيقة أن هناك إكتظاظًا مخيفًا داخل السجون مع عِللٍ أخرى قد ترتب مزيدًا من الأعباءِ وهي أخطر وأوسع من المفهوم القانوني ما يدفع صوب إستخراج عفو ما يعفي السجون شرّ مرضٍ.

وزارة العدل أخذت على عاتقها تصريف النوايا السليمة التي تسبح الآن بفضاء الحكومة. أمامها أكثر من سيناريو مشابه جرى تنفيذه في دول عديدة. أندونيسيا مثلًا وتحت جائحة “كورونا” أصدرت عفوًا عامًا إستفادَ منه ما يقارب الـ 18 ألف سجين. العراق تحذو الحذو نفسه.

طوال الأيام الماضية انكبت “العادلية” على درس أوضاع السجون وملفات الموقوفين من أجل الوصول إلى وجهةِ نظرٍ قابلة للتسويق. بدأ المشروع بالدعوة إلى عفو عام سرعان ما تقلص إلى حدود عفو خاص يصدره رئيس الجمهورية بعدما عثر على ملفات بمثابة “عوائق” قد تخالف تفسير العفو العام وتفتح ندوبًا قاسية وتجر إلى خلافاتٍ أهلية الدولة هي بغنى عنها.

لقد خلص تحقيق وزارة العدل إلى وجود ما يقارب الـ10 آلاف شخص موقوف داخل السجون اللبنانية يتوزعون بين سجناء صادرة بحقهم الأحكام مع حجز إحتياطي وموقوفين على ذمة التحقيق وغيرهم انتهت محكومياتهم لكنهم ما زالوا خلف القضبان لاسبابٍ تعود إلى عدم قدرتهم على دفع كفالاتٍ مالية.. الخ. هؤلاء يفوقون القدرة الاستيعابية السجنية، ويظهر لدى الوزارة أن هناك فرصة الآن لتخفيض الارقام مع توافر شروط تأمين عفو خاص نسبة لأن معظم الموقوفين إما من المحتجزين إحتياطيًا أو انتهت محكومياتهم أو بقي القليل منها.

الترجيحات الحالية تصفّ في إمكان إستفادة ما يقارب الـ 3000 سجين وموقوف من أي عفو خاص محتمل، قد يرتفع العدد وينخفض بحسب شروط ومعايير أي قانون.

لكن في أي ملف مماثل ثمة عوائق. بعض الجهات ومنها رئيس الجمهورية تُعارض شمل “المحكومين الصغار” أي الذين لا تتخطى مدة محكوميتهم العام الواحد بنص العفو وإعطاء الاولوية للذين مضى على صدور أحكام بحقهم أكثر من 15 سنة وبقيَ لهم القليل، لكن “المنطق القانوني” له رأي آخر. هو يفضل ضم أصحاب المحكوميات المحدودة إلى النص على اعتبار أنهم يشكلون النسبة الاكبر من الموقوفين حاليًا.

إحدى العوائق متمثلة بجرائم القتل. في مجتمع كالذي يسود في لبنان حيث تفلت السلاح بات أكثر من طبيعي يصبح من الخطر إسقاط العفو على أشخاص متهمين بجرائم قتل خاصة في مناطق تتسم بالمحيط العشائري، أمر من هذا القبيل في حال تحقيقه مرشح لتفريخ نزاعات غير محدودة وإستعادة لزمن الثأر والثأر المضاد وأخذ الحق بالبيد، لذلك صرف النظر عن شمل مثل هذه الملفات بأي مشروع عفو مقبل.

ومع تعمق النقاش كان لا بد للعاملين في الحقل القانوني من وضع معايير الضم والفرز في اقتراح القانون تقوم على استثناءات لا يجب شملها بأي قانون وضرورات لا بد من لحظها ومنها:

في الاستثناءات:
-شكاوى ودعاوى الإدعاء الشخصي.
– جرائم القتل على أنواعها (مدني، عسكري).
– الجرائم التي فيها تكرار (أي السرقات، المخدرات، غير ذلك).
– جرائم تمس أمن الدولة.
– أحكام المجلس العدلي.

في الضرورات:
– عدم إزالة أي حكم مبرم عن السجل العدلي لفترة من الوقت يُحددها القانون.
– التعامل بشدة مع أي مستفيد من القانون في حال أقدم لاحقًا على العودة إلى أي جرم.

لكن المشكلة الاكبر، كما تؤكد أوساط قضائية، غير مرتبطة بالاستثناءات الواجب إتباعها في مسائل العفو فقط بل في الفيتويات السياسية التي قد تنشأ بسبب ملفات معقدة أخرى، كملف الارهاب مثلًا التي ترفض بعض القوى السياسية الخوض فيه تحت أي ظرفٍ وملفٍ المتعاملين مع العدو الاسرائيلي الموجودين داخل الأراضي المحتلة.

معلومات تشير إلى وجود 41 من الملفات الدسمة تتعلق بقضايا إرهاب تتوزع بين قتل عسكريين ومدنيين يتقاسمها 73 موقوفًا فقط من أصل مئات الموقوفين الاسلاميين، أما البقية يتوزعون على موقوفين بتهمة الانتماء أو مبايعة تنظيم إرهابي أو التواصل معه، وآخرين ثبت أنهم كانوا في مستهل تنفيذ أفعال جرمية لصالح تنظيم إرهابي مع قسم آخر توافرت لديه النية الجرمية لتنفيذ أفعال مماثلة وآخر متهم بتجنيد أشخاصٍ وعقد حلقاتِ دروسٍ عقائدية تتصل بفلسفاتٍ تخدم تنظيمات إرهابية.

قانونيًا، ترى الأوساط القضائية مصلحة في ضمِّ ما هو خارج الملفات الـ 41 الدسمة إلى قائمة العفو الخاص ولا يبدو أن ثمة إعتراضات لدى المؤسسات العسكرية.

سياسيًا، مثل هذا القرار تنسحب عليه “ضربة” ستسفيد منها حتمًا الحكومة ضمن البيئة السنية وستعري التيارات السنية التي تدعي تبني ملفات “الموقوفين الإسلاميين”، وتغريدات رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إنما تصب في خانة الخشية من أي قرار محتمل.

وكما أي قضية هناك محاذيرٌ تدخل في هذا الملف أيضًا، كالخشية من عودة محتملة للمستفيدين (في حال ضموا) إلى النهج السابق مجددًا، أي في معاودة النشاط الدعائي – الإرهابي أو غير ذلك، وهنا تقع المشكلة التي تتخوف منها الأطراف المعارضة لشملهم ضمن صيغة أي عفو.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة