لعنة بن سلمان تـأسر الحريري

إذاً، شدّ الدولار صعوداً. من مكان مجهول، وُزّع صباحاً سعر 10,050 ليرة على منصّات التداول الإلكترونية لتطوّبه سعراً للسوق. خلال فترة بعد الظهر تراجع إلى حدود 10,000، ليتهاوى مساءً دون سقف 9800 ليرة، ليقفل عند هذا السعر. كل ذلك يعني أمراً واحداً: دولارنا بات 10 آلاف ليرة شكلاً و 15,000 مضموناً، تبعاً لتسعيرات السوبر ماركت والمحال التجارية التي تعتمد عادة توسيع الهامش لتأمين الفرق.

القصة لم تنتهِ هنا. ثمة تقديرات باحتمال تسجيل الدولار سقوفاً أعلى خلال الفترة المقبلة، ربطاً بالاحداث السائدة، يُمكن بعدها التحسّر حتى على سعر 10,000 ليرة. مع ذلك، خَمَدَ الشارع وكأن شيئاً لم يحدث قبل يوم، بإستثناء تحركات خجولة سجلت في مناطق محدّدة، ومن خرج بالأمس غاضباً، نام اليوم على سريره تملؤه الراحة حيث لا أزمة دولار وما يحزنون، ما يعيدنا إلى السؤال الأساسي: هل تحرّك الشارع الثلاثاء بناءاً على أوامر سياسية؟ في هذه الحالة لا يعود ممكنًا إعفاء الأسباب ذات الصلة باستخدام المضاربة على الليرة، رداً على مقاضاة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في سويسرا.

جمعية المصارف برّرت ما يجري بعد سيل الإتهامات ضدها، وفي البند رقم 6 من بيان طويل، أحال “كهنة المعبد” أحد الأسباب إلى تكديس المواطنين للدولارات في منازلهم! هكذا إذاً، تلقي الجمعية اللائمة على المواطنين الخائفين على مصير ما تبقى لهم من ليرات، وتحرّض على وضع اليد على أموالهم المودعة في الخزائن!  

والسياسة لا يمكن إعفاؤها هي الأخرى من الأسباب. عندما ساد الجمود الملف الحكومي وارتفعَ الدولار، وخرجت الناس إلى الشوارع غاضبة تحرق الإطارات وتشتم أعضاء طبقة الـ1% في مشهد يوفر شروط إنجاز نسخة متحوّرة من 17 تشرين 2019 ، كان لا بدّ للمعنيين التنبّه واستغلال ما يحدث من أجل خلق كوّة في جدار التأليف ودفعه قدماً، بدلاً من ذلك انشغل محور “هوف” (عين التينة – بيت الوسط – المختارة) في بحث سبل ركوب ظهر موجة الإحتجاجات، وتحويلها إلى سبيل لممارسة ضغط سياسي على ميشال عون!

من جديد، عاد وباء التعنّت والسلبية ليضرب المعنيين في رؤسهم. في مكانٍ آخر، خرج تسريب ينفي أن يكون رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري قد قدّم اقتراحات جديدة إلى رئاسة الجمهورية لبحثها معها، وكأنه كان يقول للناس: “مش فارقة معي”.

عملياً، ما زال رئيس الحكومة المكلّف ينتظر إتصالاً يرده من قصر بعبدا (أو هكذا يتحجّج) لتحريك ملف الحكومة، ربطاً بذلك تقول أوساط متابعة، أن انتظاره سيطول حكماً. والمسألة، بشهادة أكثر من معني، ليست ذات صلة باتصال، ويمكن للحريري “الحريص على تنفيذ المبادرة الفرنسية” أن يبادر هو إلى الإتصال، فتحسب تلك له وليس عليه، لكن ما يحول دون إنجاز ذلك، خلوّ محفظته من أي متغيّر، خارجي، بدليل سكونه في بيت الوسط من دون القيام بأية حركة.

يقول بعض المحظيين في متابعة ملف التأليف “العالق”، إن مسألة الخلاف غير ذات صلة بعديد الحكومة. والعديد يُمكن تفسيره وفق معاجم سياسية عدة، وليس ذات صلة أيضاً بتبادل حقائب، أو نيل حقيبة لحساب رئيس الحكومة (هي الداخلية). المسألة بتجرّد مقسّمة إلى قسمين يحملان أسباباً مقنعة لتعثّر التأليف: خارجي، ويتّصل بعفو سعودي مُنتظَر حريرياً، وداخلي، على صلة بإقدام حسّان دياب على الدخول في مغارة ترشيد الدعم، فيساهم في “شيل حِمل” عن الحريري. دياب ما زال معتكفاً عن الخوض في أي شأن موازٍ، وعندما يُسأل، يُحيل المسألة إلى مهام الحكومة الجديدة، وفيما ولو قدّر له أن يتحرّك، ولو بنسبة محدودة تجاه ملف ترشيد الدعم، لأقدمَ الحريري في اليوم الذي يليه مباشرة على توفير ظروف التأليف!

والحريري الذي غادر بيروت، يُحضّر نفسه لجولة خارجية جديدة يبدو أن نتائجها واضحة سلفاً ،ولن تختلف عما أجراه سابقاً، ولن تُحدِثَ فرقاً، عطفاً على عدم ملاحظة أي تغيير في الداخل أو الخارج، إذ ما زال أسير الموقف المأمول من السعودية كي تفتح أمامه أبواب التأليف. بهذا المعنى، لن يتأثر الحريري لا بإطارات محترقة وينبعث منها دخان الجوع في الشوارع، ولا بمئة منها، حتى ولو تسلّلت النيران إلى طرف قميصه!

مع ذلك، ثمّة من ينصح الحريري باستغلال التطورات الحاصلة في المنطقة: الهدوء على جبهة واشنطن ـ طهران، وانشغال الرياض بملف خاشقجي المفتوح بمفعول رجعي. لكن الحريري في عالم آخر. ما زال يُحاذر استغلال أي ملف على صلة بالسعودية مخافة الإنتقام منه مستقبلاً، فبقاء جو بايدن في البيت الأبيض غير مضمون ولن يدوم إلى النهاية. بهذا المعنى، يصبح تسلّله من خلف خطوط خاشقجي وسط انشغال السعودية به، نحو تكوين حكومة خارجة عن معايير محمد بن سلمان، سيجعله عرضةً للخطر والإنتقام لاحقاً، وربما “ريتز 2″، ويزيل الإحتمال الضئيل لتسوية أوضاعه في السعودية.

 ثم أن رئيس تيّار “المستقبل”، يحسب أفعاله بدقة. فيجعل من الكويت “درّة تاج” جولته الخليجية، تحت عنوان ظاهر: “ترميم علاقات لبنان مع الدول العربية”. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن علاقة بيروت مع الكويت لا تشوبها شائبة، ومع ذلك، يحاول الحريري “بخع الجميع” مستظلاً هذا العنوان لإخفاء أهدافه الحقيقية. لكن في العمق، الغاية واضحة: محاولة إدخال الكويت في وساطة لفتح أبواب بن سلمان. وعليه، سيبقى الحريري أسير هذه الوضعية ومن خلفه الحكومة، حتى يبتّ “طويل العمر” في أمره.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

43 مسؤولاً من “الفئة العليا” متورطين بالتحويلات المالية…

كشفت معلومات لـ”البناء” أن “داتا الملفات التي صادرتها القاضية غادة عون خلال دخولها المرة الأولى …