لودريان يرفض اللقاء بالكتل السياسية… العقوبات بدأت؟

تلُفّ الضبابية زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت خلال الأسبوع الجاري. البعض أشبعَ الزيارة درساً وآخرين تسريبات، والسياسيون أشبعوها بحثاً وتنقيباً، سيّما وأنها تأتي في ظل تهديدات فرنسية بفرض قيود على هذه النخبة… في النتيجة، الوزير الفرنسي قادم، وهذه المرّة ستكون زيارته مختلفة، وربما الأخيرة!

كان لافتاً، إعلان لودريان خطوة إقتراب باريس من فرض قيود على المسؤولين اللبنانيين، بتهمة عرقلة تأليف حكومة جديدة من مالطا، البلد المتوسطي. في تكرارٍ لخطوة سابقة مشابهة يوم مواقف “قاسية” حيال المسألة اللبنانية في زيارة له خلال العام 2020.

و تندرج خطوة لودريان، في خانة نقل باريس القضية الخلافية اللبنانية، لأن تصبح أزمة متوسطية، تبعاً لمحاولة فرنسا إدخال الدول الواقعة عند حوض المتوسط كشركاء في مجال إيجاد حل للأزمة اللبنانية. والمحاولة الفرنسية نابعة أساساً، من الخطر المتأتي على الدول المتوسطية في حال استفحال الأزمة اللبنانية، ومصلحتهم في السعي نحو تأمين فرض حل، سيّما حين يتحوّل الإنهيار الإقتصادي والمالي إلى أمر واقع وخطير، أي حين يغدو انهياراً كاملاً يؤدي إلى توفير ظروف “مجاعة” ومخاطر أمنية، وحينها سيصبح مفروضاً على تلك الدول مواجهة أسراب الفارين من الجحيم اللبناني. وهذه المرّة سيختلف المشهد عن فترة النزوح السوري، إذ أن لبنان يضمّ فضلاً عن اللبنانيين، سوريين وفلسطينيين أيضاً، وهؤلاء سيجدون سواحل الدول المتوسطية مقصداً لهم.

وعليه، تريد فرنسا تحويل الأزمة اللبنانية إلى متوسطية، إمعاناً منها في تعميق الوصاية عليه، على أن تكون تحت إدارتها، وقد يؤدي هذا في حال حصوله، باعتقادها، إلى دفع الدول المتوسطية لتبنّي الخيار العقابي الفرنسي عبر إنتاج “نُسَخ” مشابهة وإسقاطها على أركان السلطة في بيروت، كخيار ممكن متاح الآن لممارسة سياسة “الضغط الأقصى” على الجانب اللبناني، لدفعه مرغماً لتأليف حكومة “مهمة” تباشر بالإصلاحات المطلوبة دولياً بشكلٍ سريع، مما يؤدي إلى فرملة الإنهيار المتوقّع بالحدّ الأدنى.

والخيار يأتي كبديل عن الرفض الأوروبي للعقوبات والإستعاضة عنه ببديل متوسطي يشمل الدول الواقعة عند الحوض، وكخيار أيضاً لحماية عمق أوروبا عبر شواطئ المتوسط، وفيما لو تحوّل لبنان إلى “دولة فاشلة” واستطراداً مقراً للنزوح ومعبراً له، ما سيحتّم على الدول المتوسطية، إعادة تكرار السيناريوهات المرعبة لأعوام 2011 ـ 2018، وبالتالي، سيفرض عليها إجراءات إضافية ورفع موازنات ووضع استراتيجيات مواجهة نزوح بكميات هائلة.

بالعودة إلى زيارة لودريان إلى بيروت، فإن آخر المعلومات التي رشحت، تفيد بأن الوزير الفرنسي لم يحجز، عبر السفارة، سوى موعدين رسميين فقط، الأول مع رئيس الجمهورية ميشال عون والآخر مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وعلى الأرجح سيكتفي لودريان بهذين الموعدين، إلا إذا حصلت تغييرات مفاجئة.

هذا يعني، أن لودريان لم يأتِ لبحث تطورات الملف الحكومي أو شؤوناً سياسية مع الكتل البرلمانية المعنية، أو مصير المبادرة الفرنسية المجمّدة بفعل القصف السياسي الذي طالها. ويبدو أن باريس، تحاول عبر المقاطعة المفترضة التي سيعمّمها وزير خارجيتها، إيصال رسالة امتعاض واستياء وتجاهل إلى كل الجماعة السياسية اللبنانية المُتّهمة باريسياً، بأنها شريكة في إفشال المبادرة الفرنسية أولاً، وثانياً عرقلة تأليف حكومة مهمة.

وعلى ما يبدو من خلال ما توفّر من معلومات، فإن زيارة الوزير الفرنسي ستكون إستطلاعية ومختصرة، على قاعدة إجراء لقاءات مع الرؤساء الأصيلين، ما يعني عملياً استثناء رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، بصفته رئيساً لحكومة مستقيلة حيث لم تطلب السفارة الفرنسية موعداً من دوائر السراي. لكن أسوأ ما في الأمر قرار باريس، شمول رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري دائرة المقاطعة. فلغاية هذه الساعة، لم يُطلب منه موعداً، شأنه شأن حسان دياب، وهذا يستبطن إشارة بالغة الوضوح من فرنسا تجاه الحريري الذي جعل من نفسه “إنتحارياً” في سبيل تأمين حظوظ المبادرة الفرنسية ـ كما قال – من خلال طرحه تشكيل حكومة مهمة، رغم أن فرنسا لم تطلب منه ذلك، بل تصنّفه ضمن فئة المعرقلين، في المرحلة الأولى حين دفعَ السفير مصطفى أديب للإعتذار، وفي المرحلة الثانية حين ساهم في عرقلة تأليف الحكومة بعد تكليفه، من خلفيات نزاع شخصية بينه وبين رئيس الجمهورية والنائب جبران باسيل.

إزاء ذلك، قد تكون زيارة وزير الخارجية الفرنسي لها مهمة واحدة، ألا وهي إطلاق مسار فرض القيود العقابية على السياسيين اللبنانيين من بيروت. فصحيح أنه، وكما هو مخطّط، لن يلتقي بأيٍ منهم، وبالتالي، لن يبلّغهم رسمياً وبشكل مباشر الخطوات الفرنسية التي باتت وبحسب المعلومات شبه منجزة، بل قد يستغلّ حضوره والمنابر المتوفرة له في سياق إعلان دخول القيود حيّز التنفيذ، وممارسة “ضغط أقصى”. وفي سياق مغاير، يعتقد البعض أن زيارة لودريان “إستطلاعية”، وقد يُبلّغ خلالها من سيلتقيهم، أي عون وبري كما هو مفترض حتى الساعة، بانتهاء صلاحية المبادرة الفرنسية، وعليه سيعود إلى باريس حيث سيُباشر بإعلان فرض القيود تدريجياً، رداً على إفشال المبادرة الفرنسية وانتهاء حظوظ تأليف حكومة مهمة.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

من البقاع إلى عكار.. الأمن السوري يتمدد عبر شبكة عنكبوتية

من البقاع الى عكار شريط حدودي يرفض النظام السوري التخلي عنه بسهولة، وقد خاض حربا …