الأبرز

معادلة 8 آذار: “ندخل معًا أو نخرج معًا”

يَقِف حزب الله على فالقٍ زلزاليٍّ عميقٍ. ويله الحكومة التي يريد ولادتها سريعًا على أبوابِ شتاءٍ عاصفٍ يلوّح في الأفقِ ضمن تركيبة أصبحت معروفة “تكنو-سياسية”، وويله حليفه البرتقالي الذي يلّوح بالخروج من الحكومة “زعلان”، ويله الوضع الإقتصادي الذي يحلو للبعض رميه على عاتقهِ كأحدِ مسبباته، وويله محاربة الفساد التي كلما إقتربَ منها خطوة حلّت بركة التوازنات والمعادلات لتبعده عنها خطوات.

‏باتَ بحكم المؤكد، أنّ حزب الله لن يقبل خروج التيّار الوطني الحر من “الجنّة الحكوميّة”، إنّه فعلٌ يمثِّل بالنسبة إليه “زلزالًا سياسيًا” يحمله على الظنِّ، بأنّ خيارًا من هذا النوع سيُصيبه ربما بمقدار ما يصيب غيره أو أقلّ بقليلٍ، على إعتبار، أنّ توجهًا مماثلًا قد يذهب بنتائجِ الانتخاباتِ النيابيّةِ أدراجَ الرياح وسيحمل الحزب على قبول “منهجيةِ حكمٍ جديدةٍ” تضع تلك النتائج على الرفِّ.

بتقدير حزب الله، إنّ الأزمةَ الحكوميّة الجارية تتَّصل بطبيعةِ الحضور السياسي له ولحلفائه. طبعًا، لهذا الحضور خلفيّة أساسيّة تتمثل في نتائجِ الانتخاباتِ النيابيّةِ الاخيرة التي كفلت تفسير حضور هؤلاء بتلك القوة داخل السلطة التنفيذيّة، لذا استجلب ذلك الحضور الحملات ضدهم، وبحكم أنّ هذا الحضور هو حقٌ مصدره صناديق الاقتراع، يصبح التفريط بهذه المقدرات مستحيلاً أو غير مقبولٍ.

‏وبالإستناد إلى هذه القاعدة، يصبح من الممنوعِ، ترك التيّار الوطني الحر يخرج من الحكومة، على إعتبار، أنّ قرارًا من هذا النوع يستبطن تنفيذ رغباتٍ أميركيّةٍ ولو بشكلٍ غير مقصودٍ أو مباشرٍ، ثم أنّه يحمل بين أكتافه تفريغ الاكثرية النيابيّة من قوتها وتهشيمها وتفتيتها داخل السلطة التنفيذيّة أو الإدارة ككلّ، وسيجعل من هذا الفريق لاعبًا هامشيًا، والعهد مكسورًا مخذولاً، ما سيحول دون الإعتداد لاحقًا بحق الأكثرية بأنّها أكثرية، وهذا يصبُّ في الخانةِ الاميركيّة، وبالتالي يصبح هكذا فعل بالنسبة إلى حزب الله أمرًا مرفوضًا.

‏للحقيقةِ، إنّ الرفضَ لا يأتي من حزب الله فقط بل من حلفائه أيضًا، أمثال حركة أمل ونواب اللقاء التشاوري بل وحتى تيّار المردة الذي لا يقبل أن تترنَّحَ قوة 8 آذار أمام معادلة كسرها في السلطة. هو كان قد سلف رئيس الجمهورية موقفًا قبل مدّةٍ، بأنّه لن يتموضع إلى جانب من يريدون “كسر العهد” على إعتبار، أنّ الرئيس ميشال عون “يمثل فريق الممانعة”. من هنا، أتت عبارة رئيس مجلس النواب نبيه بري، “لن أقبل أن يبقى التيّار الوطني الحر خارج الحكومة”.

‏ثمة من يقرأ في المضمون، على أنّه يلامس حدود إستخراجِ معادلةِ”: “ندخل معًا أو نخرج معًا”. ما أرادَ بري قوله أننا مستعدون للخروج سويًا، وسويًا تعني حزب الله واللقاء التشاوري وطبعًا تيّار المردة وسائر مكونات 8 آذار ذات الثقل. القضية هنا، ليست محصورة بشخصِ الوزير جبران باسيل، الحديث يدور حول منع “الوطني الحر” من الخروجِ كـ”تيّارٍ مسيحيٍّ قويٍّ”، لو أنّ البعضَ من أعضاءِ ذات الفريق له تقديراته الخاصّة بما يتصل ببقاءِ باسيل من عدمهِ.

‏وفي الحديثِ أعلاه، عودة إلى زمنِ ولادةِ عقدةِ “اللقاء التشاوري السني”، التي شكّلت عائقًا أمام إعلان ولادة الحكومة المستقيلة الآن، يومَ رفضَ حزب الله على لسانِ أمينه العام السيّد حسن نصرالله القبول بدخولِ الحكومة ما دامَ اللقاء غير مُمَثلٍ. يومذاك، أبتدعت معادلة جديدة: “إما أن ندخل مع اللقاء التشاوري أو لا ندخل”، وبَقِيَ التأليف، يترنّح حتى أُقرَّ بحق “التشاوري”.

‏ولعلّ هذه المعادلة، تنطبق اليوم على التيّار الوطني الحر بوصفه أشدّ تمثيلاً من “اللقاء التشاوري”، أي نحن أمام نسخةٍ منقحةٍ من المعادلة أعلاه: “إمّا أن يدخل التيّار أو لن ندخل”، وهذه موجّهة ليس إلى “التيّار” كنوعٍ من أنواعِ النصحِ، بل إلى الحريري الذي ولو كُلِّفَ يوم الاستشارات لكان سيبقى مكلفًا من دون أن يؤلّفَ حتى تقوم الساعة!

‏السؤال الذي يجول في بالِ الكثيرين الآن: هل سيعلنها السيّد حسن نصرالله في إطلالته اليوم الجمعة لكي يضع حدًا لسياسةِ “الابتزاز” رابطًا مصيره الحكومي بمصير غيره، أو أنّه سيكون له مبادرة سياسية؟

‏على الأغلبِ، إنّ ظهورَ السيّد نصرالله اليوم هو “استثنائيٌّ” عبر المنار من دون وجودِ أيّ مناسبةٍ، يعني أنّ ثمة مستجدّات فرَضَت عليه الظهور ولم تكن قد توفرت قبل أيامٍ حين إحتجبَ أداء كلمة في ذكرى إستشهاد القيادي الجهادي حسّان اللقيس، خلافًا لما درجت عليه العادة.

‏المطلعون على موقفِ حزب الله، يؤكِّدون حلول مستجدات وتطورات حتَّمت ظهور نصرالله، ليس على الصعيدِ الداخلي فقط ربطًا بقربِ موعدِ الاستشارات، بل إقليميًا ودوليًا أيضًا تبدأ بموقفِ وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو في معرضِ حديثه عن تأليفِ الحكومة والاشارة إلى رفضِ مشاركة حزب الله “لكونه مصنَّف إرهابيًا”، وكلام المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة التي أعلنت بوضوحٍ أن بلادها تدعم الثورات في المنطقةِ، ونتائج إجتماع “مجموعة الدعم الدولي الخاصة بلبنان” وما تخلّله من مواقفٍ ورغباتٍ حول إقحام البنك الدولي في المعضلة اللبنانية.

‏في الغالبِ، فإنّ “مؤامرةَ” إخراج التيّار الوطني الحر يقف خلفها رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي يعلم جيّدًا أنّ معادلة “حكومة من دون وجوه استفزازية” تطاول باسيل دون غيره، وما دامت تطاوله، فهذا يعني أنها تطاول التيّار الذي سيتشدّد فيخرج.

وفي الغالب أيضًا، أنّ حكومةً من دون التيّار البرتقالي “لا يعتدّ بها” لكونه يمثل “سيبة العهد”، بل ثمة من يقول أنّ حكومةً من دون التيّار “لا تمرّ” في ظلِّ إعلان القوى المسيحية الاخرى عدم رغبتها المشاركة في الحكومة، وهنا نصبح أمام “مشكلةٍ ميثاقيّةِ الطابعِ” تتمثَّل في خروجِ القوى المسيحية الأكثر تمثيلاً من الحكومة، ليبقى السؤال، “كيف سيحكم الحريري؟ أو الأصحّ، كيف سيشكل حكومته؟” وماذا لو قرّرت 8 آذار التضامن مع التيّار، كيف سيتصرف الحريري؟

على الأرجح، أن الرئيس المكلف “إفتراضياً” لن يكون في مقدوره تأليف حكومة من دون موافقة 8 آذار لغياب القدرة لديه على الدخول في مواجهة بـ”طقم تكنوقراط” منزوع الأنياب، وهو يعلم أكثر من غيره أن حكومة من هذا النوع لا يمكن أن تمر من خارج شور هذا الفريق، مهم بالغَ الحريري في الحديث عنهم.

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

يرجى إغلاق Adblocker من أجل المتابعة