من يحرِّض على دياب… والحريري؟

في الظروف العادية يمكن لإنجاز التحاق لبنان بنادي الدول المستكشفة والمستخرجة للنفط أن يتحوّلَ الى عرسٍ وطنيٍّ يجمع “القبائل” المتناحرة ويوحّدها على وجود فرصة ذهبية للانتقال من الافلاس الى البحبوحة.

ليس هذه الحال مع عهدٍ يتخبّط في أزماتهِ وحكومة تعلم جيدًا أنها “حكومة الفرصة الاخيرة”. حتى أخصامها يدركون هذا الواقع في ظل غياب البدائل المنطقية، لكن المكابرة تدفعهم الى رجمها من دون منحها حتى مهلة سماح تعتبر بديهية في عمر الحكومات.

لم يكن مجرد تفصيلٍ، أن يفجّرَ رئيس الحكومة حسان دياب موقفًا سياسيًا عقب جلسة كانت برئاسة ميشال عون في بعبدا. وفق المعلومات، الأمر لم يكن منسّقًا مع القصر الجمهوري. جلّ ما أراده دياب أن يردّ على طريقته على مسلسل التجني والافتراء الذي يتعرّض له منذ بدء الحكومة مهامها رسميًا ومن ضمنه ما يطاوله بشكل شخصي ومنظّم.

اختار دياب الصامت منذ دخوله السرايا الحكومية هذا التوقيت في ظل مشهدٍ قاتمٍ للغاية: اشتداد حدّة الازمة المالية والاقتصادية والمعيشية، دخول الامن الاجتماعي دائرة الخطر الجدّي وتكفي الفيديوهات المسرَّبة من داخل المصارف والافران لتعكس حجم الكارثة، “تطرّف” اميركي متزايد في ملف العقوبات، إضرابات وأزمات بالجملة، غلاء فاحش، ومخاوف حقيقية من رفع الدولة تدريجًا الدعم عن “المواد المحمية”، وفيروس كورونا الذي بدأ يثير الهلع بعد توسّع بقعة الاصابات به…

يآثر حسان دياب سياسة الصمت. في جزء من شخصيته، وإن ثمّة من لم يغفر له بعد سقطة كتاب الانجازات في وزارة التربية. وأيضًا فريق استشاري يَنصَحه بالبقاء خارج الاضواء. لكن وسط الورشة المفتوحة داخل السرايا، وفرق عمل الاختصاصيين والتقنيين والاستشاريين بعقودِ عملٍ بقيمةِ ليرة واحدة لبنانية، احتل أعضاؤها كافة مكاتب السرايا لتأمين “الداتا” اللازمة للحكومة لأخذ القرار على المستوى المالي الانقاذي، يقرّر دياب فتح النار على “الاوركسترا” التي تعمل ضد الحكومة. وسريعًا تتوجّه الانظار صوب بيت الوسط. هل المقصود رئيس الحكومة السابق سعد الحريري؟

في محيط دياب من يجزم أن “سعد ليس المقصود شخصيًا”. يصل الامر الى حدّ التعاطف مع من يتعرّض أصلًا للتحريض عليه وحَبك المؤامرات ضده ضمن بيئة تيار المستقبل ومحيطها، وهو الامر الذي يفسّر برأي هؤلاء إصرار الحريري على القيام ما يشبه النفضة الداخلية في محاولةٍ لتطويق ذيول فشل المرحلة السابقة ووضع بعض الذين يستثمرون في ضعف الحريري لطموحات ومآرب شخصية.

يكتمل هذا الاستنتاج مع تيقّن دياب في مرحلة تأليف حكومته بأن الحريري لم يعمل ضده في الشارع، وأن من حرّك شباب الطريق الجديدة وغيرهم ممّن صعّدوا في المناطق السُنيّة لم يكن بأوامر من بيت الوسط، كما أن جماعات في محيط الحريري في البيئة الحالية والسابقة استثمرت بوجه دياب وحتى بوجه الحريري نفسه أحيانًا ولا تزال ناشطة على أكثر من جبهة.

والاطار يتّسع ليشمَل متضرّرين من البيئة السُنيّة من خارج تيار المستقبل، يقفون بوجه رئيس الحكومة فتحرّكت اوركسترا التحريض في الداخل والخارج وترافق ذلك مع حملات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي وآخرها بشأن تعيين زوجة الرئيس دياب نائبة رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة وتفويض مدير عام رئاسة الجمهورية انطوان شقير بعض صلاحيات رئيس مجلس الوزراء.

في الحالة الاولى، هو تقليدٌ منذ الطائف شّذ عنه فقط الرئيس سليم الحص بسبب وضع زوجته الخاص والحريري بسبب وجود زوجته خارج لبنان وعدم تعاطيها الشأن العام. أما في الحالة الثانية فهو تفويضٌ له طابع إداري بحت ومحدود دأب عليه جميع رؤساء الحكومات منهم سعد الحريري ونجيب ميقاتي وتمام سلام.

يجزم مطلعون، أن لا سلبية تطغى على العلاقة بين دياب والحريري “وهناك اصدقاء مشتركون يؤمّنون التواصل بشكل غير مباشر حتى أنّ ملفات مشتركة قد تعزّز هذا التواصل”. يقود ذلك الى الفرز بين “مشروعين”.

بتأكيد القريبين من دياب “سعد الحريري رئيس حزب وكتلة نيابية وله مشروعه السياسي في الداخل وارتباطات يسعى لاستعادتها مع الرياض. أما دياب، فهو رئيس حكومة مؤتَمَنٌ على خطةٍ إنقاذيةٍ مع الوزراء في محاولةٍ للخروج من نفقِ أكبر أزمةٍ في تاريخ لبنان. لا يريد تأسيس حزب ولا خوض الانتخابات النيابية ولا صنع زعامة. أتى من أجل مهمّةٍ محدّدةٍ وسيفعل المستحيل في محاولةٍ لتخفيفِ أضرار أي سيناريوهات محتملة في طريق الخروج من الازمة”، مع تسليم هؤلاء “بأن الوضع صعب جدًا وهناك كارثة حقيقية تتحمّل مسؤوليتها الحكومات المتعاقبة كافة”.

وفي هذا الاطار، لا يرى القريبون من دياب أن هناك تنافسًا بين الرجلين على كسب التأييد الخليجي وعلى رأس القائمة السعودية، مع نفي الاخبار المتداولة عن زيارة مرتقبة لدياب الى دول الخليج، “هناك دعوة وجّهت الى رئيس الحكومة من دولة قطر وسيتمّ تلبيتها في الوقتِ المناسب. وبالطبع لدى رئيس الحكومة رغبة بالقيام بجولةٍ عربيةٍ، وأن تبدأ تحديدًا من السعودية بالنظر الى موقعها، إضافة الى المكانة الكبرى لمصر على الخارطة العربية. لكن كل شيء مرهونٌ بوقتهِ، وحتى الآن ليس على جدول أعمال دياب زيارات الى أي دولة عربية”.

ولا تقرأ مصادر رئيس الحكومة “إشارات سلبية من جانب الرياض ولا حتى من سفيرها لدى لبنان”، وتثني على دور المفتي “الذي لم يكن هناك أصلًا مشكلة معه، لا بل أنه كان من العاملين على خط قطع دابر الفتنة قبل تشكيل الحكومة”.

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

طبول الحرب تدق.. حدود روسيا وأوكرانيا على صفيح ساخن

لم يكن يوم الجمعة هادئاً على الحدود الروسية الأوكرانية، على الأقل وفق ما أعلنته كييف، إذ …