نصرالله للحريري: أصمد!

لم يعد باستطاعة السلطة تأديب الشارع وقهره، الأمر الذي ابدَعت فيه طوال العقود السابقة. السلطة الحاكمة، بكافة رموزها الظالمة و”المَظلومة”، باتت أمام أمرٍ واقعٍ صادمٍ لم يستوعبه بعد حتى من افترش الطرقات.

الخيارات أمامها ضيّقة جدًّا وأحلاها مرٌّ: الانصياع لأمرة هدير شارعٍ غيَّر أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله رأيه بمساره الذي “أدخلنا دائرة الاستهداف الدولي والاقليمي” ملقيًا على قياداته شبهة التبعية لاحزابٍ وسفاراتٍ وشخصيّاتٍ ثرية معروفة بفسادها!

مشهدٌ غير مسبوقٍ منذ الطائف، بات يحمل في ثناياه مؤشرات مُقلِقَة إن لم نقل خطيرة. حيث أنّ الايام العشرة للانتفاضة أفرَزَت واقعًا، بأكثرِ من اتجاهٍ، يمكن أن يضعَ الداخل اللبناني أمام احتمالاتٍ انقلابيّةٍ لا يعرف بعد من سيدفع ثمنها فعليًّا السلطة… أم الشعب.

عمليًّا، وضَعَ نصرالله “الشارع المُنتَفِض” أمام اختبار إثبات “براءته” من التبعية للخارج وأوّل “Test”، يتمثَّل في مكاشفةِ اللبنانيين والمقاومة بأسماءِ القيادات المُحرِّكة له والبدء بالتفاوض مع رئيس الجمهورية أما في حال الرفض فنكون “أمام مشروع استهداف سياسي كبير للبلد”.

يُصعَب عمليًّا على مُتَحَسِّسي الرؤوس، كما على الخائفين على مصير البلد ممَّن هم اليوم في موقعِ المسؤولية، أن “يقزِّموا” حجم المعاناة التي انفجَرَت في الشارع.

في غرفهم المُغلَقة، يعترفون بثقلِ التراكمات التي قادَت الى هذا الانفجار الكبير بوجههم. لكن مشروعية الإصرار الشعبي على “كسرِ المحظور” وإسقاط طبقة سياسيّة بمن فيها لا تحجب التطوّرات المُتَسَارِعة التي باتت تشي بدخولِ “الانتفاضةِ” منعطفًا حسّاسًا تؤشّر اليه الوقائع الآتية:

– بعد انقضاءِ الايّام الاولى للحراك “التاريخي” الذي انفلش في أكثر من منطقةٍ، تكبر أكثر فأكثر بقعة المُشَكِّكين بوجودِ “أيادٍ خفيّةٍ” تحاول حرف الصرخة الشعبيّة عن مسارها، وليس فقط حزب الله من حاول تسليط الضوء عليها.

رئيس الجمهورية كما فريقه السياسي، يصوِّب اليها بالاصبع. لهؤلاء أدلة يجاهرون بها لا تبدأ بالتساؤل عن ملايين الدولارات كلفة النقل المباشر الذي يصل الى 17 ساعة يوميًّا في مؤسسات تعاني من عجزٍ كبيرٍ في دفعِ رواتبِ موظفيها، ولا تنتهي باللوازم اللوجستية التي تصل “دليفري” الى ساحات الاعتصام المركزية من “البابوج الى الطربوش” وآخرها “دفعة” الحمّامات الجاهزة حيث تصل كلفة كلّ حمام الى الفِ دولار.

وبينما يأتي ذلك في ظلّ تأكيدات مصادر عن وجودِ “مُمَوِّلين” تربطهم “غرفة عمليات” مع شخصيّاتٍ مناهضةٍ للمقاومةِ والعهدِ وسفاراتٍ ومنظماتٍ خارجيّة مُهمَّتهم التسلّل من الشارع للوصول الى “رقبة” حزب الله، هناك وقائع مضادة تمامًا تُسمَع في بيروت وطرابلس وصور وجل الديب والذوق توثّق بالعين المُجرَّدة وجود متطوّعين و”مُمَوِّلين” محليين لـ “الثورة” من أصحاب “الايادي البيضاء” الذي يرغبون برفد الشارع بكل مقومات الصمود أقلّه حتى إسقاط الحكومة… ويصل الامر حتى الى إعداد سندويشات منزلية وتوزيعها على “الثوار”.

– افرزت حركة الشارع تدريجًا ملامح محوَرَيْن: الاول مؤلّف من الرؤساء الثلاثة مدعومًا من حزب الله، وإن صحَّ القول يقوده الحزب الذي بات “الدرع الواقي” للعهد بتكرار رفض سقوطه وعدم تأييده إسقاط الحكومة. وبالتزامن يقود معركة “شيطنة” الحراك مع إبراز ايجابيّاته “التي يمكن البناء عليها”، كما قال.

والمحور الثاني، يتمثَّل في “القوات اللبنانية” ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وقوى وشخصيات تسعى لتصفية حساباتٍ سياسيّةٍ مع العهد والمقاومة وباتت تحت الشبهة بمقاييس حزب الله. وما بينهما “شوارع” مضادة باتت تفرَّخ في المناطق، وقدَّمت في الساعات الماضية “بروفات” مخيفة في رياض الصلح وصور والضاحية، بالتزامن مع تصاعدِ التوترِ بين الشارِعَيْن العوني والقواتي في المناطق المسيحيّة.

– لم يعد تحرّك حزب الله على خطِّ لجمِ التحركات سرّيًا. وفي ظلّ معلومات تتحدَّث عن دخول الحزب مباشرة على خط إقفال عددٍ من الطرقات خصوصًا تلك البعيدة من التغطية الاعلامية، فإنّ مطلعين، يؤكِّدون، أنّ خروج أنصار الحزب وحركة أمل بشكلٍ أكثر تنظيمًا الى الشارعِ، رغم طلب نصرالله من مناصريه الانسحاب من ساحات التظاهر، قد بدأ يفرض واقعًا مضادًا بوجهِ الحراك نتيجته إمّا تعويم الحكومة أو خروج اللعبة عن السيطرة مع ما يعني ذلك من أكلافٍ قد تقود الى “7 أيار” آخر بوجه الشارع.

– في الوقتِ الذي يلعب فيه الجيش دورًا هو الأكثر دقّة وحساسيّة منذ تسلّم القيادة الحالية مهامها بفعل قرارٍ مركزيٍّ لدى القائد العماد جوزاف عون بعدمِ الاصطدام مع الشارعِ وسط إصرارٍ على فتح الطرقات حيث يمكن فعل ذلك من دون إراقة دمٍ أو استخدامِ القوّةِ، يتعرَّض الجيش لحملةٍ مُبَرمَجة وصلت الى حدِّ تخوينه وتصويره “وكأنّه متواطئ مع الشارع الذي يريد أن يصفّي حسابه مع بعض الرموز الاستفزازية.

للمفارقة، يأتي ذلك في ظلّ تسليم كثيرين حتى من ينتقد الجيش لـ “تساهله”، أنّ مظاهر القوة والانتشار العسكري المُكَثّف والملّالات والجرافات لا تنفع في حالاتٍ من هذا النوع إلّا إذا كان المطلوب “جرف” المتظاهرين! وفيما أتى موقف نصرالله ليخفِّف من الحمولة الزائدة المُلقاة على الجيش من أهل بيته السياسي، فإنّ بيان الجيش الاخير أوحى بأنّه لن يبقى مكتوف الايدي أمام بعضِ “الممارسات” التي تعيق حركة التنقّل وتُشَكِّل مخالفة للقوانين.

– تفيد معلومات، عن تواصلٍ لم يتوقَّف بين حزب الله والرئيس سعد الحريري يُختَصَر بكلمةٍ واحدةٍ: “أصمد”.

لكن يشير مطلعون، الى أنّ الحريري الذي لا يزال بعيدًا من خيار تقديم استقالته بسبب عدم الاتفاق على التركيبة البديلة، ويُواجه صعوبات في إجراءِ تعديلٍ وزاريٍّ يُنَفِّس غضب المتظاهرين، قد لا يملك فعليًّا مقوِّمات الصمود في ظلّ رفضِ قياداتِ الحراك لقاء رئيس الجمهورية ما سيؤدي الى مزيدٍ من التأزيم على الارض، في وقتٍ تتراكم التقارير الامنيّة على مكتبه والتي تشير، الى غليانٍ قد يؤدّي بلحظةِ تخلٍ الى وقوعِ المحظور.

أما على مكتب “السّيد”، فهناك تحضيراتٌ من نوعٍ آخر: إعداد الخططِ لإحباطِ “انقلابٍ” ألمَحَ اليه في إطلالته الأخيرة وكاد أن يذكر بالإسم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع كأحدِ قادته، فيما لا يتردَّد قريبون من رئيس الجمهورية في القول، “أنه يستهدف ميشال عون”!

 

 

 

 

 

 

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

القوات اللبنانية تستهدف “صقور” التيار الوطني الحر!

بصرف النظر عن حسابات بعض الأحزاب والشخصيات السياسة قبل أشهر قليلة من موعد الاستحقاق الانتخابي، …