هل استفز باسيل حزب الله؟

من المتعارفِ عليه، أنّ حزب الله يترك مسافة بينه وبين حلفائه في ما يتعلَّق بشؤونهم الداخلية ولا يخوض بها. مع ذلك، يترك هامشًا محدودًا للتدخل في حالِ طُلِبَ إليه ذلك ضمن حالاتٍ إستثنائيّةٍ طبعًا كمثل حصول خلافٍ “عميقٍ” داخل قيادات هذا الحزب أو ذاك. وعلى الرغم من هذا الوضوح، يتعمَّد البعض إلباس الحزب صفات ليست له، منها إنزعاجه من لقاءٍ عقده هذا الحزب مع آخر، أو إمتعاض من تقاربٍ حصَلَ بين طرفَيْن سياسيَيْن مُتَخاصِمَيْن!

في مسألة “الوطني الحر”، يُعتبر حزب الله شديد الحساسيّة. يعمل دومًا على أن ينقيَ العلاقة من كلّ شائبةٍ قد تعترض طريقها، كذلك يفعل “التيار” بدرجةٍ معيَّنة وهو الذي يُمارس سياسة الوضوح مع حليفهِ الاستراتيجي، إذ قلَّ ما يحدث أي تباينٍ “عميقٍ” بينهما لدرجةِ حصول تباعدٍ بل في معظمِ الحالاتِ، تبقى الامور مضبوطة ضمن السقفِ ولا تخرج عن الحدودِ المرسومةِ. ودائمًا ما يرتكز “التيار” في علاقتهِ مع الحزب الى إعتمادِ سياسةِ وضعهِ في أجواءِ أيّ لقاء ينوي عقده.

معنى ذلك، أنّ سياسة المُصارَحة متَّبَعة على درجةٍ رفيعةٍ بين الجانبَيْن، والتنسيق مفتوحٌ وخطوط الطرفَيْن غير مُقفلةٍ ولا يحتاج التواصل إلى وسيطٍ أو حدث ما. ما يعني ذلك، أنّ الحزبَيْن يتصرَّفان بطريقةٍ شديدة الوضوحِ تجاه بعضهما البعض وثمّة ثقة مبنيَّة وتراكم تجاربٍ يُدعِّم هذه الثقة.

لقد أثبتت الوقائع، أنّ حزب الله يميل دومًا نحو إعتمادِ سياسةِ المُهادنة مع الكثير من الاطرافِ، لا بل يشجِّع إن لم نقل “يزكّي” أي مبادرة من هذا النوع. ففي زمن التقارب بين التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية على بركةِ “إتفاق معراب”، كان حزب الله شديد الوضوحِ تجاه دعمهِ لمثل هذا التقارب ضمن أبناءِ الطائفةِ الواحدةِ متى كان يُعتَبَر حاجة لتهدئةِ النفوسِ، رغم أنّ البعض كان يحاول رمي قنابل دخانيّة هدفها إخفاء معالمِ موقفِ الحزب الحقيقي.

كذلك حصلَ في زمنِ التسويةِ الرئاسيّةِ التي أُبرِمَت بين التيارَيْن “الازرق والبرتقالي”، والتي قيلَ لاحقًا أنّ حزب الله كان عضوًا مؤسِّسًا فيها. يعني ذلك، أنّ الحزبَ يتعهد إبرام الصفقاتِ السياسيّة لما تحمله من مضامين مفيدة على الجبهةِ الداخلية وتخفيفًا من الانزلاقاتِ نحو مواجهاتٍ سياسيّةٍ داميةٍ.

الأمر ذاته، أقدم عليه في مستهلِّ إنتفاضةِ 17 تشرين التي عَمِلَ على مهادنتها ومحاولة فهمها إلى حدودٍ كان يُنقَل عن لسانِ مسؤولين فيه، أنّ “قلبهم معها لكنّ عقلهم في مكانٍ آخر”، ما يدلّ، على أنّ الحزبَ يتعمد سياسة التعقّل لا الحب من طرفٍ واحدٍ!

هذا أيضًا، يمكن أن ينسحِبَ على موضوعِ اللقاء الذي عُقِدَ بين النائب جبران باسيل والسفيرة الاميركية لدى لبنان إليزابيث ريتشارد. حيث أنّه على الرغم من محاولةِ البعضِ الغمز من قبيل “تسهيلات برتقالية” يمنحها باسيل للولايات المتحدة لتبرير مزيدٍ من التدخل في الشأن اللبناني، يبدو حزب الله متفهِّمٌ للدور الذي يؤدّيه رئيس التيار الوطني الحر!

خلوة الثلاثِ ساعاتٍ التي جمعت باسيل وريتشارد لا يمكن وصفها بالحدثِ العادي بسبب الاعتبارات المحيطة بها. قد يقول قائلٌ، أنّها تندرج ضمن خانةِ الزيارات الوداعية التي تجريها السفيرة إلى المسؤولين اللبنانيين قبل انتهاءِ مهامها رسميًا. هذا صحيحٌ ومعقولٌ، لكن غير المعقول الذي يمكن إدراجه في خانةِ التساؤل، أنّ أيّ لقاءٍ وداعيٍّ لا يمكن أن يستمرَّ زهاء الثلاثِ ساعاتٍ متواصلة!

هذا يعني، أنّ ما طرحه باسيل مع ريتشارد يتجاوز الأمور البروتوكولية المُتَّبعة في مثل هكذا حالات، ويفوق أيضًا ما تسنَّى للتيار الوطني الحر تسريبه إلى الاعلام.

ليس من قبيل الصدفةٍ أبدًا، أن يتزامنَ اللقاء وسط ظروفٍ مناخيّةٍ أميركيّةٍ حساسةٍ تجاه حزب الله وحلفائه. خلال الفترة الماضية، انشغلت مراكز الابحاث الاميركية في رصدِ حركةِ باسيل ومدى عمقه وانضوائهِ ضمن مفهوم حزب الله السياسي والغاية الواضحة كانت إدراجه على لوائحِ العقوبات.

طبعًا، يدرك باسيل ومعه حزب الله، أنّ توجهًا من هذا القبيل سينقل الوضعية الاميركية في لبنان من حالةٍ “رقابيّةٍ” إلى أخرى صدامية، وبالتالي، سيبدو التيار الوطني الحر في عمق حالة الصدام مع واشنطن، والسؤال: هل من مصلحةِ واشنطن خلق حالة صدامية مع المكوِّن المسيحي الأكبر في الشرقِ؟ واستدراكًا، ما هي مصلحة واشنطن في ذلك؟

بالنظر إلى الوقائعِ، تبدو الفكرة محصورة ضمن نطاق طرفٍ سياسيٍّ “غير واسعِ القدرة” في واشنطن وغير قادرٍ على تفسيرها. وعلى ما يبدو، تستفيد الادارة الاميركية من تداول هذه المعلومات من أجل محاولةِ إدخال تعديلاتٍ على سياسةِ باسيل ليس إلّا.

ما يدلّ إلى ذلك، درجة الاهتمام الواسعة التي يحظى بها الرجل أميركيًا لو أنّه “غير محبوبٍ” لدى الادارة، بيد أنّ الادارة الحالية شيءٌ، ومنهج الدولة العميقة شيءٌ آخر، وإلّا، ما الجدوى من الجلساتِ الطويلة مع باسيل، من مساعدِ وزير الخارجية ديفيد ساتيرفيلد إلى السفيرة الاميركية؟

قد تكون السفيرة ريتشارد فاتحت باسيل بأمور أخرى غير تلك التي أعلن عنها، وهذا منطقيٌّ، وقد تكون تناولت معه موضوع ترسيم الحدود وحضوره داخل الدولة ومدى عمق علاقتهِ مع الحزب، أو ربما أوصلت الرسائل إلى الحزب عبره، هذا ممكنٌ، لكن غير الممكن، أن تذهبَ الولايات المتحدة نحو مقاطعةٍ مع الطرفِ السياسي الاقوى، أو أن تمارسَ فعل “المطاوعة” مع ممثلهم.

الأكيد أكثر، أنّ حزب الله وُضِعَ في مجال ما جرى تداوله بين الجانبَيْن، والاكيد أيضًا، أنّ الحزبّ إطلعَ على جدولِ أعمالِ اللقاءِ وبيانه الختامي الاصلي. طبعًا، الولايات المتحدة تعلم ذلك وربما ترضى به وقد تجِد الظرفَ مؤاتيًا لتوجيهِ رسائلٍ إلى حزب الله مدموغة بختمٍ أميركيٍّ صريحٍ!

عبدالله قمح – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

زيارة ماكرون إلى السعودية.. هل تُحدث خرقًا في الملفّ اللبناني؟

على وقع انسداد الأفق الحكومي، يعود رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى بيروت نهاية الأسبوع ليقف …