وزيرة العدل: الاستقالة غير واردة!

في كلِّ مواقفِ وزيرة العدل ماري كلود نجم منذ تعيينها ما يوحي أنّها لا تشبه أيّ وزير عدل آخر. اسألوا “تويتر” ومن يناقشها في شؤون القضاء والعدل والورش المفتوحة بأكثر من اتجاهٍ في العدلية.

في ذلك، هيِ لا تقلِّد من سبقها في تطبيعِ وزارة العدل بشخصيّةِ الجالسِ على كرسيِّ الوزير، وتكريس تبعيّةِ “معاليه” لفريقٍ سياسيٍّ، ولم تخلق نقزة من عطب موروث قائم على العلاقة التاريخية المأزومة بين وزارة العدل والقضاء وقضاته.

عَنَت وزيرة العدل “التكنوقراط” ما قالته بالفم الملآن “أنا متفائلة بما أسَّسنا له لتحقيق الاستقلالية الفعلية للقضاءِ. أبلغت مجلس القضاء الاعلى أنني لن أتدخل ولن أسمح لأحدٍ بالتدخل في مسار التشكيلاتِ القضائية المُنتَظَرة”.

سَبَق ذلك بأسابيعٍ قليلةٍ جرعة الدعم غير المسبوقةِ التي لم يمنحها أيّ وزير عدل لمجلسِ القضاء الاعلى في مهمّتهِ الاستثنائية في تخريجِ تشكيلاتٍ قضائيةٍ من “خرمِ” الكفاءة والانتاجية والنزاهة وعدم التبعية وليس عبر “اوتوستراد” التسييس والفرض الذي طالما سلكه أهل القرار ليعيّنوا من “يرتاحون لهم” من القضاة والقادرين على إدارتهم عن بعد.

التحرّر من التدخلاتِ السياسية تحصيلٌ حاصل. ثمّة توّجه تكرَّس مع تعيين القاضي سهيل عبود رئيسًا لمجلسِ القضاء الاعلى، بموافقةِ جميع الاعضاءِ، على إبقاءِ ورشةِ التشكيلاتِ بعيدة من التدخلات الوقحة وغير الوقحة منها. حصلَ ذلك في ظلِّ التوصل الى “حبكةٍ” من التنسيقِ البنّاء في موضوعِ التشكيلات بين عبود ونائب الرئيس مدعي عام التمييز القاضي غسان عويدات ما أبعد، باعترافِ عدّة قضاة، الخلاف المُحتَمَل بين المرجعيَّتَيْن، وأفضى الى توافقٍ صعب لكن آمن خصوصًا في ما يتعلق بقضاة النيابات العامة الاستئنافية في المناطق الذين يشكِّلون فريقَ عملِ مدعي عام التمييز.

هو الموقعُ الوحيدُ في القضاءِ حيث يسلك التسلسل الاداري الهرمي طريقه. نيابات عامة مرتبطة مباشرة بمدعي عام التمييز وتتلقى التوجيهات منه، والاخير مرتبطٌ بدوره مباشرة بوزير العدل.

ومنذ البداية، سلّمت وزيرة العدل بالنصِّ القانوني “لا تصبح التشكيلات نافذة إلّا بعد موافقةِ وزير العدل، وعند حصول إختلافٍ في وجهاتِ النظر بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى تعقد جلسة مشتركة بينهما للنظر في النقاطِ المختلفة عليها، وإذا استمرَّ الخلاف ينظر مجلس القضاء الأعلى مجدّدًا في الأمر للبتِّ فيه ويتخذ قراره بأكثريّةِ سبعةِ أعضاءٍ ويكون قراره في هذا الشأن نهائيًا ومُلزمًا. وتصدر التشكيلات القضائية بمرسومٍ بناءً على إقتراحِ وزير العدل”.

لا اجتهاد في النصِّ مع وزيرة العدل، وإن أكدت أنّ دورها وواجبها كوزيرةٍ “التأكد من احترامِ المعايير الموضوعية التي تضمَن تعيين القاضي، ومنع الإستئثار لصالحِ هذا الفريق أو ذاك، وسأفعل”.

وفي هذا السياق، يجزم مطلعون ردًا على ما أُثيرَ حول احتمال استقالةِ وزيرة العدل في مواجهةِ التدخلاتِ السياسيّةِ بأنّ “الأمرَ غير واردٍ، وهو نوعٌ من المبالغةِ في غير محلّها، وإنّ موقفها واضحٌ بالوقوفِ سدًا في مواجهةِ هذه التدخلات، مؤكدين، أنّ “التشكيلات انتهت وتوقيع مجلس القضاء الاعلى سيحصل خلال ساعاتٍ بعد تذليل آخر العقباتِ”، مع العلم، أنّ مجلس القضاء الاعلى استمرَّ حتى ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء في تنقيحِ التشكيلات التي بقِيَت عقدة القاضية غادة عون تتحكَّم بمصيرها قبل التوقيعِ عليها.

أما في شق دعوة وزيرة العدل مجلس القضاء الاعلى للتحرّر من “القيودِ التقليديّةِ”، فهذا أمرٌ آخر. المطلعون يجزمون، أنّ وزيرة العدل ذهبت الى حدِّ تحفيز المجلس الى ملامسةِ الخطِّ الاحمر بمعنى كسر القيودِ الطائفية التي تُكبِّل القضاء بتطويبِ المراكز الاساسيّةِ لطوائفٍ محدّدةٍ.

وفق المعلومات، لم يخض مجلس القضاء الاعلى خلال المداولات التي رافقت التشكيلات في إجراءِ تبديلٍ “طائفيٍّ” في مراكزٍ معيَّنة. ففي المرحلة الاولى، وضعَ مجلس القضاء الاعلى خطًا فاصًلا بين مرحلتَيْن: منع التدخلات السياسيّة نهائيًا. هذا ما يفسِّر تأخر التشكيلات مع بروز حالاتِ ممانعة وتفاوضٍ شاق حول بعض المراكز الحسّاسة مع منعٍ كليٍّ لفرضِ أسماءٍ بالقوة.

ويشير مطلعون، الى أنّ موقفَ وزيرة العدل صبَّ في إطار الاحتواءِ والدعم، مع إعطاءِ جرعةٍ زائدة لذهاب المجلس باتجاه نقل بعض القضاة من دون الأخذ بالمعيار الطائفي “الحاكم” والمتربِّص بـ”السيستم” منذ عقودٍ.

في المقابل، يذهب بعض القضاة الى حدِّ القول “يشبه الأمر طرح التخلّي عن المعيار الطائفي الذي يحكم انتخاب رئيسيّ الجمهورية ومجلس النواب أو تعيين رئيس الحكومة وكبار موظفي الدولة.

الى هذا الحدّ تبدو المهمة صعبة في السلك القضائي بسبب الانغماس الكلّي في التوزيعات الطائفية!! لذلك سيكون من المنطقي أكثر فرض عدم حصول تدخلاتٍ سياسيّةٍ كمرحلةٍ أولى ثم البدء بورشةِ الاصلاح الحقيقي بالتخلي تدريجًا عن سياسةِ تطويب بعض المراكز للطوائفِ وكأنها بمثابةِ ممتلكاتٍ خاصّة، فيما المطلوب ايصال القاضي صاحب الكفاءة المُنتج والنزيه من دون النظر الى انتمائهِ الطائفي.

ويشير هؤلاء، الى أنّ ثمّة أزمة صامتة في جميع الادارات العامة وصولًا الى القضاء والسلك العسكري كما الامني حيث يتمّ الركون أولًا الى معيار الطائفة، ويصدف أحيانًا كثيرة عدم وجودِ مرشّحين من طوائفٍ معينة جديرين بتولي المسؤولية في مواقعٍ محدَّدَة، وهذا فسادٌ بعينهِ وقلّة مسؤولية وطنية في تغليب الطائفة على الكفاءة.

ملاك عقيل – ليبانون ديبايت

عن Akhbarna Online

شاهد أيضاً

إنقلاب سريع بالطقس مع بداية كانون… الأمطار الغزيرة عائدة ابتداءً من هذا التاريخ!

انحرف المنخفض الايسلاندي نحو القارة الاوروبية وتمركز فوق المانيا والنمسا بقيم ضغط انهارت الى 974hpa، الأمر …